الشرق الأوسطسياسة
أخر الأخبار

بعد الحرب.. كيف تعيد إيران والخليج رسم خرائط العلاقة؟

السعودية تختار التهدئة الاستراتيجية.. والإمارات تمشي فوق حقل ألغام سياسي مع طهران

لم تعد العلاقة بين إيران ودول الخليج تُقرأ بالمعايير التقليدية التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية. فالحرب الأخيرة بين إسرائيل واميركا ضد إيران لم تُحدث فقط تبدلات عسكرية وأمنية، بل دفعت عواصم الخليج إلى إعادة تعريف مصالحها وأولوياتها وحدود اشتباكها مع طهران.

وبينما تتعامل السعودية مع المرحلة الجديدة بمنطق “التهدئة الاستراتيجية” لحماية مشروعها الاقتصادي العملاق، تبدو الإمارات أمام معادلة أكثر تعقيدًا تجمع بين المصالح التجارية العميقة مع إيران والانخراط السياسي والأمني المتقدم مع إسرائيل.

في السنوات الماضية، كان الانقسام الخليجي تجاه إيران يُدار غالبًا خلف الأبواب المغلقة، لكن الحرب الأخيرة أخرجت التباينات إلى العلن، وكشفت أن مجلس التعاون الخليجي لم يعد جبهة سياسية وأمنية موحدة في مقاربة العلاقة مع الجمهورية الإسلامية.

فلكل دولة اليوم حساباتها الخاصة، وأولوياتها الاقتصادية، وقراءتها المختلفة لمستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة.

هذا التحول لم يعد مجرد انطباع سياسي أو قراءة إعلامية، بل أصبح محورًا ثابتًا في تقارير مراكز الدراسات الدولية والإقليمية. مراكز مثل “تشاتام هاوس البريطاني”، و “كارنيغي للشرق الأوسط”، و”مجموعة الأزمات الدولية”، و”مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” (CSIS)، إضافة إلى “معهد الخليج العربي في واشنطن” و “مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية”، تخصص منذ أشهر مساحة واسعة لتحليل شكل العلاقة المقبلة بين طهران والعواصم الخليجية، وسط سؤال أساسي: هل تتجه المنطقة إلى توازن جديد قابل للاستمرار، أم إلى هدنة مؤقتة تسبق انفجارًا أكبر؟

السعودية.. من المواجهة إلى إدارة التنافس

التحول السعودي في العلاقة مع إيران لم يأتِ فجأة. فالمملكة التي خاضت خلال العقد الماضي مواجهة سياسية وأمنية مفتوحة مع طهران، سواء في اليمن أو لبنان أو سوريا، تبدو اليوم أكثر ميلًا إلى تبريد الجبهات واحتواء التوتر بدل الذهاب إلى صدامات مباشرة.

منذ اتفاق بكين في آذار/مارس 2023، الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران برعاية صينية، بدأت السعودية بإعادة صياغة مقاربتها للملف الإيراني. لم يعد الهدف كسر النفوذ الإيراني بالكامل، بل تنظيم الخلاف ومنع تحوله إلى حرب تستنزف المنطقة بأكملها.

وتشير دراسات صادرة عن “كارنيغي” و”تشاتام هاوس” إلى أن القيادة السعودية باتت تنظر إلى الاستقرار الإقليمي كشرط أساسي لإنجاح “رؤية 2030″، المشروع الاقتصادي الضخم الذي يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

فالمملكة التي تستثمر مئات مليارات الدولارات في السياحة والبنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة النظيفة لا تستطيع تحمل هزات أمنية كبرى أو هجمات تستهدف منشآتها النفطية كما حدث في هجوم “أرامكو” عام 2019.

لهذا السبب، تحرص الرياض على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع طهران حتى في أكثر اللحظات الإقليمية حساسية. وخلال الحرب الأخيرة، بدت السعودية حذرة في خطابها السياسي، متجنبة الانجرار إلى لغة تصعيدية، ومركزة على الدعوات إلى ضبط النفس ومنع توسع الحرب.

وتذهب “مجموعة الأزمات الدولية” إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن السعودية وصلت إلى قناعة استراتيجية مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لخوض حروب كبرى لحماية الخليج كما في العقود السابقة، وأن على دول المنطقة البحث عن ترتيبات أمنية أكثر استقلالية وأقل اعتمادًا على المظلة الأميركية التقليدية.

لكن التهدئة السعودية مع إيران لا تعني نهاية التنافس. فالخلافات لا تزال قائمة في ملفات عديدة، من اليمن إلى النفوذ الإقليمي إلى طبيعة التوازنات الأمنية في الخليج. إلا أن الفرق الأساسي يكمن في أن الرياض تحاول اليوم إدارة هذا التنافس تحت سقف يمنع الانفجار.

الإمارات.. شراكة اقتصادية وخصومة سياسية

إذا كانت العلاقة السعودية – الإيرانية تتجه نحو “تنظيم الخلاف”، فإن العلاقة بين أبو ظبي وطهران تبدو أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

الإمارات لطالما كانت الشريك التجاري الخليجي الأكبر لإيران. وعلى الرغم من العقوبات الغربية، بقيت دبي لسنوات رئة اقتصادية ومالية للإيرانيين، ومركزًا حيويًا للتجارة والتحويلات والاستثمارات.

وتشير أرقام اقتصادية متداولة في تقارير خليجية ودولية إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بقي مرتفعًا حتى في أكثر مراحل التوتر السياسي.

غير أن الحرب الأخيرة وضعت هذه العلاقة أمام اختبار صعب. فالإمارات التي عمّقت شراكتها مع إسرائيل بعد “اتفاقات أبراهام”، ووسعت تعاونها الأمني والتكنولوجي والاستخباراتي مع تل أبيب، أصبحت تُنظر إليها داخل إيران بوصفها جزءًا من البيئة الإقليمية الداعمة لإسرائيل.

هذا التحول انعكس بوضوح في الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني، حيث ارتفعت حدة الانتقادات الموجهة إلى أبو ظبي، مع اتهامات مباشرة لها بتوفير بيئة لوجستية واستراتيجية تخدم المصالح الإسرائيلية في المنطقة.

دراسات صادرة عن “واشنطن إنستيتيوت” و”ميدل إيست إنستيتيوت” و”CSIS” تتحدث عن معادلة إماراتية شديدة الحساسية؛ كيف يمكن لأبو ظبي الحفاظ على مصالحها الاقتصادية الضخمة مع إيران، وفي الوقت نفسه تعزيز تحالفها السياسي والأمني مع إسرائيل؟

حتى الآن، تحاول الإمارات الفصل بين المسارين. فهي من جهة تواصل علاقاتها التجارية مع طهران، ومن جهة أخرى لا تتراجع عن خياراتها الاستراتيجية الجديدة. لكن كثيرًا من الباحثين يرون أن هذا التوازن قد يصبح أكثر صعوبة في حال اندلاع مواجهة إقليمية أوسع.

وتحذر بعض التقارير من أن العلاقة الإيرانية – الإماراتية قد تدخل تدريجيًا مرحلة “الهدوء الاقتصادي والعداء الأمني”، أي استمرار المصالح التجارية مقابل تصاعد الشكوك السياسية والأمنية، وربما تنامي المواجهات غير المباشرة في الفضاء السيبراني والاستخباراتي.

الخليج لم يعد كتلة واحدة

من أبرز ما كشفته الحرب الأخيرة أن دول الخليج لم تعد تتحرك كجبهة موحدة تجاه إيران. فلكل دولة اليوم حساباتها الخاصة وموقعها المختلف داخل التوازنات الإقليمية.

قطر، على سبيل المثال، تواصل اعتماد سياسة تقوم على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، مستفيدة من علاقتها الجيدة بطهران وواشنطن في آن واحد.

أما سلطنة عمان، فتعزز دورها التقليدي كوسيط هادئ بين الإيرانيين والغربيين، بينما تحافظ الكويت على دبلوماسية حذرة تتجنب الاستفزاز.

في المقابل، تبقى البحرين الأكثر تشددًا تجاه إيران بسبب الاعتبارات الأمنية والسياسية الداخلية، إضافة إلى ارتباطها الوثيق بالسياسات الأمنية الأميركية والخليجية.

هذا التباين الخليجي يمنح إيران هامش مناورة أوسع، لكنه في الوقت نفسه يعقد إمكانية بناء تفاهمات شاملة ومستقرة مع مجلس التعاون كمنظومة موحدة.

ويشير “معهد الخليج العربي في واشنطن” إلى أن الخليج دخل فعليًا مرحلة “تعدد الاستراتيجيات” تجاه إيران، حيث لم يعد هناك موقف خليجي واحد، بل مجموعة مقاربات تتراوح بين الاحتواء والحوار والتنافس والردع.

الاقتصاد.. العامل الذي يغيّر السياسة

بعيدًا عن الشعارات السياسية، يبدو الاقتصاد اليوم العامل الأكثر تأثيرًا في رسم العلاقة الجديدة بين إيران ودول الخليج.

فدول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، تخوض سباقًا محمومًا لتنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على النفط، وهي تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة لجذب الاستثمارات العالمية وتحويل مدنها إلى مراكز مالية وسياحية وتكنولوجية.

وفي المقابل، تدرك إيران التي تعاني من عقوبات اقتصادية خانقة أن أي انفتاح خليجي قد يشكل متنفسًا مهمًا لاقتصادها المتعثر.

لهذا السبب، تتحدث تقارير اقتصادية متعددة عن احتمال توسع التعاون في مجالات مثل:

الطاقة والنقل البحري،

التجارة الإقليمية،

الاستثمارات اللوجستية،

وربما مشاريع الربط التجاري مستقبلاً إذا تراجعت حدة التوترات.

لكن هذه السيناريوهات تبقى مرتبطة بعامل أساسي، قدرة المنطقة على تجنب حرب شاملة جديدة.

فأسواق المال الخليجية شديدة الحساسية تجاه الاضطرابات الأمنية، وأي استهداف للممرات البحرية أو المنشآت النفطية قد يؤدي إلى خسائر جديدة تصل إلى مئات مليارات الدولارات، ويهدد مشاريع التنمية التي تراهن عليها العواصم الخليجية.

هل يتراجع النفوذ الأميركي؟

أحد أبرز المحاور التي تركز عليها الدراسات الحديثة هو التغير التدريجي في الدور الأميركي داخل المنطقة.

فبعد عقود من الاعتماد الكامل على واشنطن كضامن أمني للخليج، بدأت دول المنطقة تقتنع بأن الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها العالمية، مع تركيز أكبر على آسيا والمواجهة مع الصين.

هذا التحول دفع دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدولية، سواء مع الصين أو روسيا أو حتى عبر بناء تفاهمات مباشرة مع الخصوم الإقليميين أنفسهم، وفي مقدمتهم إيران.

ويعتبر كثير من الباحثين أن اتفاق بكين بين الرياض وطهران لم يكن مجرد مصالحة ثنائية، بل إشارة واضحة إلى ولادة توازنات دولية جديدة داخل الشرق الأوسط، حيث باتت الصين لاعبًا سياسيًا قادرًا على التدخل في الملفات الإقليمية الحساسة.

بين الردع والتسوية

المشهد الإقليمي اليوم يقف بين احتمالين متناقضين.

الأول، أن تنجح إيران ودول الخليج في بناء نوع من “توازن الردع المستقر”، حيث تبقى الخلافات قائمة لكن ضمن حدود تمنع الانفجار الكبير.

أما الاحتمال الثاني، فهو أن تتحول أي مواجهة أميركية إسرائيلية – إيرانية مقبلة إلى حرب إقليمية واسعة تضع الخليج مجددًا في قلب النار، خصوصًا إذا قامت بعض العواصم الخليجية مجددًا بتقديم دعم لوجستي أو أمني لإسرائيل.

وهنا تحديدًا تبدو السعودية أكثر حرصًا على النأي بنفسها عن أي اصطفاف مباشر، بينما تواجه الإمارات تحديًا أكبر بسبب طبيعة علاقتها المتقدمة مع تل أبيب.

المنطقة أمام مرحلة جديدة

ما بعد الحرب ليس كما قبلها. فإيران لم تعد تواجه خليجًا موحدًا، والخليج نفسه لم يعد ينظر إلى طهران بعين واحدة. وبين البراغماتية الاقتصادية والحسابات الأمنية والتحولات الدولية الكبرى، تتشكل تدريجيًا خريطة جديدة للعلاقات في الشرق الأوسط.

قد لا تكون المنطقة ذاهبة نحو سلام شامل، لكن المؤكد أنها تدخل مرحلة مختلفة عنوانها الأساسي: إدارة الصراع بدل الانفجار المفتوح.

وفي هذه المرحلة، لن يكون السؤال ما إذا كانت إيران ودول الخليج خصومًا أو حلفاء، بل كيف يمكن للطرفين التعايش داخل توازن هش، حيث الاقتصاد يفرض منطقه، والأمن يفرض هواجسه، والسياسة تحاول منع الشرق الأوسط من السقوط مجددًا في حرب لا يريدها أحد، لكنها تبقى ممكنة في أي لحظة.

https://anbaaexpress.ma/x2fvj

داني الامين

صحفي لبناني ومستشار علاقات عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى