عيش نهار تسمع خبار.. في الوقت الذي ينتظر فيه المواطن المغربي من المسؤولين الحكوميين خطابًا واقعيًا يحترم معاناته اليومية، يبدو أن بعض التصريحات الصادرة من داخل قبة البرلمان أصبحت تزيد منسوب الاحتقان والسخرية في الشارع المغربي، خصوصًا مع اقتراب عيد الأضحى، في ظل أزمة غلاء غير مسبوقة أنهكت القدرة الشرائية للمواطنين.
هذه المرة، أثار وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري، المنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، موجة واسعة من الجدل، بعدما تحدث داخل البرلمان بطريقة اعتبرها كثيرون بعيدة عن الواقع، وهو يؤكد أن أسعار الأضاحي بالمغرب “تبدأ من 1000 درهم”، داعيًا النواب إلى عدم تصديق ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصًا “فيسبوك”، معتبراً أن الحديث عن الغلاء الكبير مجرد “نقاش فيسبوكي”.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، اليوم الإثنين 18 ماي، قال الوزير إن الأسواق المغربية تعرف وفرة في الأغنام، وإن الأسعار تتراوح ما بين 1000 و5000 درهم، مضيفًا: “أنا كنخرج للأسواق وشفت الأثمنة، وكل واحد يقدر يلقى شنو يناسبو”.
غير أن تصريح الوزير قوبل بسخرية واضحة داخل البرلمان نفسه، بعدما كرر أكثر من مرة وجود أضاحٍ بـ1000 و1500 درهم، في وقت يعرف فيه المواطن المغربي جيدًا أن الواقع داخل الأسواق مختلف تمامًا، وأن أسعار الأغنام عرفت ارتفاعًا صاروخيًا لم تشهده المملكة أبدا، رغم الحديث الرسمي عن وفرة القطيع وكثرة العرض.
الأكثر إثارة للجدل، هو جواب الوزير بخصوص المضاربة، حين قال بالحرف: “أنا لا أعرف هؤلاء المضاربين، ومن يعرفهم فليدلنا عليهم”، وهي العبارة التي فجّرت موجة استياء واسعة، لأن المغاربة لم يعودوا يبحثون عن توصيف الأزمة، بل عن حلول حقيقية توقف نزيف الأسعار وتحمي القدرة الشرائية للمواطن.
عدد من النواب البرلمانيين تساءلوا بدورهم عن مصير الدعم المالي الضخم الذي وُجه لقطاع الماشية، والذي تجاوز، حسب المعطيات المتداولة، 24 مليار درهم خلال ثلاث سنوات، معتبرين أن الحديث عن “وفرة القطيع” لا يجيب عن السؤال الجوهري: لماذا بقيت الأسعار ملتهبة رغم كل هذا الدعم؟
وزير الفلاحة يفجر الجدل داخل البرلمان: الأضاحي تبدأ من 1000 درهم!
كما حمّل متدخلون الحكومة مسؤولية الفشل في ضبط مسالك التسويق ومحاربة المضاربة، مؤكدين أن الوفرة وحدها لا تعني شيئًا إذا كانت “الفراقشية” والمضاربون يتحكمون في السوق ويستنزفون جيوب المغاربة دون مراقبة حقيقية.
وللأسف، فإن ما أصبحنا نتابعه مؤخرًا من تصريحات بعض المسؤولين الحكوميين يدعو فعلًا إلى الشفقة والسخرية في آن واحد. فبعد حديث نزار بركة عن “خفافيش الظلام العنكبوتية” التي تقود، حسب تعبيره، حربًا رقمية ضد استقرار المملكة، خرج علينا اليوم وزير الفلاحة ليؤكد أن الأضاحي تبدأ من 1000 درهم، وكأن المغاربة لا يعيشون يوميًا داخل الأسواق ولا يلمسون بأعينهم حجم الغلاء الذي أصبح يهدد الأسر البسيطة والمتوسطة.
المفارقة الكبرى، أن الحكومة نفسها حددت سابقًا أثمنة مرجعية تقارب 77 درهمًا للكيلوغرام بالنسبة لـ“البركي”، و82 درهمًا بالنسبة لـ“السردي”، وهو ما يجعل المواطن يتساءل: أين الخلل الحقيقي؟ ولماذا لا تنعكس وفرة العرض والدعم العمومي على الأسعار داخل الأسواق؟
اليوم، لم يعد السؤال مرتبطًا فقط بارتفاع ثمن الأضحية، بل بمن يستفيد من هذا الوضع؟ ومن يحمي شبكات المضاربة والوسطاء الذين أصبحوا يتحكمون في قوت المغاربة ومواسمهم الدينية والاجتماعية؟
إن المواطن المغربي لم يعد يطلب المعجزات، بل فقط خطابًا مسؤولًا يحترم ذكاءه ومعاناته، وسياسات حقيقية تعيد التوازن للسوق وتحارب الاحتكار والمضاربة بدل الاكتفاء بتصريحات مستفزة تزيد من فقدان الثقة.
وفي الأخير، وكما قلنا سابقًا في مقالات سابقة: “راه البلاد غادية في الخسران الحمادي”، إذا استمرت بعض التصريحات الحكومية في الاستهزاء غير المباشر بمعاناة المواطنين، بدل مواجهة الحقيقة بكل جرأة ومسؤولية.
