آراءسياسة
أخر الأخبار

الطائف بعد 36 عامًا.. بين تسوية استنفدت غاياتها وسؤال المؤتمر التأسيسي

الطائف أعاد تركيب السلطة ولم يُلغِ الطائفية. نقل جزءًا وازنًا من صلاحيات رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، وكرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب، لكنه ثبّت في المقابل منطق المحاصصة كآلية حكم يومية..

منذ إقراره عام 1989، لم يكن اتفاق الطائف مجرد محطة أنهت حربًا أهلية طويلة، بل صيغة حكم أعادت توزيع السلطة على قاعدة توازن دقيق بين الطوائف. غير أن هذه الصيغة، التي قُدِّمت بوصفها جسرًا نحو دولة مدنية، تحوّلت مع الزمن إلى نظام مكتمل يكرّس الطائفية بدل أن يمهّد لإلغائها تدريجيًا كما نصّ الدستور.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، لم يعد النقاش محصورًا في تقييم نجاح الطائف أو إخفاقه، بل في مدى صلاحيته لإدارة بلد تبدّلت معادلاته الداخلية وتبدّل معه الإقليم.

الطائف أعاد تركيب السلطة ولم يُلغِ الطائفية. نقل جزءًا وازنًا من صلاحيات رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، وكرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب، لكنه ثبّت في المقابل منطق المحاصصة كآلية حكم يومية.

كان يفترض أن تُستكمل هذه الصيغة بخطوات إصلاحية واضحة: إنشاء مجلس شيوخ تمثيلي للطوائف، واعتماد قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، وتوسيع اللامركزية الإدارية. إلا أن هذه البنود بقيت معلّقة، فتحوّلت “المرحلة الانتقالية” إلى حالة دائمة، وأصبح الطائف مظلة لإدارة التوازنات بدل أن يكون مدخلًا لتجاوزها.

اليوم، ومع الانهيار الاقتصادي العميق وتآكل قدرات الدولة، تتفاقم الأزمة السياسية الداخلية والانقسام الطائفي الحاد، بما يعكس عجز الصيغة الحالية عن استيعاب التباينات.

في هذا السياق، برز توجه لدى السلطة اللبنانية الجديدة نحو الارتهان للموقف الأميركي في مقاربة الملفات الكبرى، بالتوازي مع اندفاع واضح نحو خيار التفاوض مع العدو رغم ما يتعرض له الجنوب وأهله من اعتداءات مستمرة.

هذا المسار لا يحظى بإجماع داخلي، بل يواجه اعتراضات من قوى سياسية وازنة، كما تشير المعطيات إلى محاولات من بعض الدول العربية، وفي مقدمها السعودية، لكبح هذا الاندفاع نحو تفاوض مباشر.

في المقابل، تصطف قوى حزبية أخرى خلف خيارات ترى فيها مدخلًا لإعادة رسم موازين القوى الداخلية، حتى ولو جاء ذلك على حساب الاستقرار الداخلي أو على حساب بيئات اجتماعية محددة.

إلى جانب ذلك، يفرض العامل الديموغرافي نفسه كأحد عناصر النقاش. تراجع نسبة المسيحيين بفعل الهجرة المستمرة وتفاوت معدلات النمو السكاني خلق فجوة بين نص المناصفة والواقع العددي.

غير أن اختزال المسألة بالأرقام وحدها يفتقر إلى الدقة؛ فالتوازن في لبنان لم يكن يومًا حسابًا رياضيًا بحتًا، بل نتاج شبكة معقّدة من التسويات السياسية والتحالفات الداخلية والامتدادات الإقليمية.

في الكواليس السياسية، تتردّد منذ فترة أحاديث عن إمكان إدخال تعديلات على الطائف، سواء بدفع داخلي أو في سياق تسويات إقليمية أوسع. بعض هذه القراءات يذهب إلى أن أي تعديل قد يترجم بزيادة وزن الطائفة الشيعية في النظام، بحكم موقعها في معادلات المنطقة.

لكن هذا الطرح، رغم تداوله، يتجاهل أن التعديلات الدستورية في لبنان لا تُقاس فقط بميزان القوة، بل بقدرة الأطراف على إنتاج تسوية مقبولة للجميع، وهو أمر نادر التوافر.

أما ما يُقال عن دور سعودي محتمل، فيستحق مقاربة أكثر دقة. السعودية كانت منصة أساسية لجمع اللبنانيين وإعلان اتفاق الطائف، ومن الطبيعي أن تسعى، كغيرها من الدول، إلى حماية مصالحها ضمن أي تسوية تساهم فيها ومن ذلك ترجيح موقع رئاسة الحكومة ضمن توازنات السلطة التنفيذية.

لكن تحويل هذا الدور إلى عامل حاسم في إعادة صياغة النظام اليوم يتجاهل تعقيدات المرحلة: أي انخراط خارجي يبقى محكومًا بسقف الاستقرار وتفادي الانزلاق إلى فراغ دستوري أو صدامات مفتوحة.

في المقابل، تُظهر التجارب أن “الأثمان” في التسويات الإقليمية غالبًا ما تأتي على شكل ترتيبات سياسية أو إعادة تنظيم للأدوار داخل الدولة، أكثر مما تأتي عبر تعديلات دستورية جذرية.

بمعنى آخر، قد تتبدّل موازين النفوذ داخل المؤسسات، أو تُعاد صياغة أولويات السياسة العامة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة نسف القواعد الدستورية القائمة دفعة واحدة.

أين يمكن أن يظهر التغيير إذًا؟ غالبًا في تفاصيل تبدو تقنية لكنها حاسمة: قانون الانتخاب، حجم الدوائر، آليات التمثيل، واستقلال القضاء. هذه العناصر قادرة على إعادة تشكيل الحياة السياسية من الداخل حتى مع بقاء المناصفة قائمة.

كما أن تفعيل البنود المؤجلة في الطائف – ولا سيما مجلس الشيوخ واللامركزية – يمكن أن يفتح بابًا لتخفيف الاحتقان الطائفي من دون كسر التوازنات دفعة واحدة.

ومع ذلك، فإن الاستمرار في إدارة الأزمة ضمن الصيغة الحالية لم يعد خيارًا مريحًا. الطائف، كما يُطبّق اليوم، لم يعد قادرًا على إنتاج دولة قادرة على الاستجابة لتحديات العصر، سواء على المستوى الاقتصادي أو الإداري أو الاجتماعي. وهذا ما يدفع إلى طرح خيارات تتجاوز التعديلات الجزئية نحو مقاربة أكثر جذرية.

الخيارات المطروحة يمكن اختصارها بثلاثة مسارات. الأول هو الإبقاء على الوضع القائم مع بعض الترقيع، وهو ما يعني عمليًا إطالة أمد الأزمة. الثاني هو تحديث الطائف عبر تنفيذ بنوده الإصلاحية المؤجلة، بما يفتح المجال تدريجيًا للخروج من القيد الطائفي. أما الثالث، فهو الانتقال إلى صيغة جديدة كليًا تُنهي النظام الطائفي وتؤسس لدولة مدنية فعلية.

المسار الثالث يبدو الأكثر جاذبية نظريًا، لكنه أيضًا الأكثر تعقيدًا. إلغاء الطائفية السياسية لا يتحقق بقرار دستوري فحسب، بل يتطلب إعادة بناء عميقة للثقة بين مكوّنات المجتمع، وتطوير مؤسسات قادرة على حماية الحقوق بمعزل عن الانتماءات الضيقة. كما يحتاج إلى بيئة إقليمية أقل توترًا، تسمح للبنان بأن يعيد ترتيب بيته الداخلي بعيدًا عن ضغوط المحاور.

في هذا الإطار، لا يمكن تجاهل أن المنطقة بأسرها تمر بمرحلة إعادة تشكيل. أي تفاهمات كبرى -مهما كان شكلها- ستترك أثرًا مباشرًا على لبنان. لكن هذا الأثر لن يكون بالضرورة على شكل فرض نظام جديد من الخارج، بل قد يفتح نافذة لإعادة التفكير داخليًا في شكل الدولة ووظيفتها.

في المحصلة، المشكلة في لبنان لم تعد مجرد خلل في التوازن بين الطوائف، بل في بنية النظام الذي يدير هذا التوازن. الطائف، الذي وُلد كحلّ، بات جزءًا من المأزق. والاستمرار في التعامل معه كصيغة نهائية يغفل حقيقة أنه كان، في الأصل، محطة انتقالية لم تُستكمل.

يبقى السؤال الأهم؛ إذا كانت الصيغة الحالية قد استنفدت قدرتها على إنتاج الاستقرار، وإذا كانت التعديلات الجزئية عاجزة عن معالجة الخلل البنيوي، فهل آن الأوان لطرح خيار أكثر جرأة هل حان وقت مؤتمر تأسيسي جديد يعيد صياغة العقد اللبناني من أساسه؟

https://anbaaexpress.ma/idubh

داني الامين

صحفي لبناني ومستشار علاقات عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى