قدّم البنك الدولي تشخيصًا دقيقًا لوضعية سوق العمل في المغرب، كاشفًا عن مفارقة مقلقة تتمثل في استمرار النمو الاقتصادي دون أن ينعكس ذلك على خلق فرص شغل كافية. التقرير، الذي ركّز على دينامية النمو ودور القطاع الخاص، خلص إلى أن النموذج الاقتصادي الحالي بات عاجزًا عن استيعاب الأعداد المتزايدة من طالبي العمل، في وقت تتراكم فيه الوعود السياسية دون نتائج ملموسة.
الأرقام التي تضمنها التقرير تعكس حجم التحدي؛ إذ بلغ العجز السنوي في مناصب الشغل نحو 370 ألف منصب خلال الفترة ما بين 2020 و2024، مقارنة بـ215 ألفًا في العقود السابقة. كما تراجع معدل التشغيل إلى 43% سنة 2024، ما يعني أن نصف السكان في سن العمل تقريبًا خارج الدورة الاقتصادية.
ويبرز التفاوت بشكل أكثر حدّة في ما يتعلق بتشغيل النساء، حيث لا تتجاوز نسبة اندماجهن في سوق العمل 19%، وهو ما يضع الغالبية الساحقة منهن خارج النشاط الاقتصادي. كما سجل التقرير اختلالًا لافتًا في توظيف الكفاءات، إذ يشتغل نحو 43% من خريجي التعليم العالي في وظائف لا تتلاءم مع تخصصاتهم.
وفي تحليله لأسباب هذا الوضع، أشار التقرير إلى أن الاستثمارات، رغم حجمها الكبير، لا تتجه نحو قطاعات قادرة على خلق فرص شغل واسعة، بل تتركز في مجالات ذات قيمة مضافة محدودة. كما تعاني المقاولات الصغرى، التي تشكل ركيزة الاقتصاد، من صعوبات تحول دون توسعها، ما يحد من قدرتها على التوظيف.
ويزيد من تعقيد المشهد انتشار العمل غير المهيكل، حيث يشتغل نحو ثلثي العاملين دون عقود رسمية، إلى جانب الضغوط الضريبية التي تثقل كاهل الشركات وتؤثر على دينامية الاستثمار والتشغيل.
أزمة نموذج لا أزمة ظرف
ما تكشفه معطيات البنك الدولي يتجاوز حدود الأرقام إلى بنية النموذج الاقتصادي ذاته. فالمغرب لا يعاني من نقص في الاستثمار بقدر ما يعاني من ضعف مردوديته الاجتماعية، أي قدرته على تحويل النمو إلى وظائف. هذه المفارقة تعكس ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد المشاريع الكبرى” الذي يحقق مؤشرات ماكرو-اقتصادية إيجابية، لكنه يظل محدود الأثر على النسيج الاجتماعي.
التركيز على قطاعات كثيفة الرأسمال وضعيفة التشغيل، مثل البنيات التحتية أو بعض الصناعات التصديرية، أدى إلى خلق اقتصاد مزدوج: جزء حديث ومندمج عالميًا، وآخر هش وغير مهيكل يستوعب الكتلة الأكبر من اليد العاملة دون ضمانات. هذا الانقسام يفسر جزئيًا استمرار البطالة المقنّعة وهدر الكفاءات.
في المقابل، يكشف ضعف إدماج النساء عن عطب ثقافي-اقتصادي مزدوج، حيث تتداخل معيقات اجتماعية مع غياب سياسات تحفيزية فعالة، ما يحرم الاقتصاد من طاقة إنتاجية هائلة. كما أن أزمة المقاولات الصغرى تعكس اختلالًا في توزيع الدعم والتمويل، حيث تستفيد المشاريع الكبرى من الحوافز، بينما تظل المقاولات الصغيرة محاصرة بالبيروقراطية والضرائب.
الأخطر أن استمرار هذا النموذج قد يفاقم التوترات الاجتماعية على المدى المتوسط، خصوصًا في ظل ارتفاع تطلعات الشباب واتساع الفجوة بين التعليم وسوق العمل. فحين يتحول الشغل من حق اقتصادي إلى امتياز نادر، يصبح الاستقرار الاجتماعي نفسه رهينًا بإصلاحات عميقة.
بالتالي، فإن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بخلق فرص شغل، بل بإعادة صياغة فلسفة النمو الاقتصادي، نحو نموذج أكثر شمولًا، يوازن بين الربحية والعدالة الاجتماعية، ويضع التشغيل في قلب السياسات العمومية بدل اعتباره نتيجة ثانوية لها.




