أفريقياسياسة
أخر الأخبار

المغرب وموريتانيا.. شراكة استراتيجية تعيد رسم خريطة التكامل في غرب إفريقيا

ما بين المغرب وموريتانيا أكبر من مجرد جوار جغرافي؛ إنها علاقة متجذرة في التاريخ، وممتدة في الثقافة، ومبنية على وشائج دينية واجتماعية عميقة، تجد اليوم ترجمتها العملية في مشاريع استراتيجية واعدة..

في زمنٍ تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق المصالح الضيقة والتجاذبات الحادة، يختار المغرب وموريتانيا طريقًا مختلفًا: طريق البناء الهادئ، والتكامل الذكي، والشراكة التي تُقاس بوقعها على الأرض لا بضجيج الخطابات.

إنها ليست مجرد علاقة جوار، بل مشروع استراتيجي يتشكل بثبات، ويعيد رسم ملامح التعاون الإقليمي في غرب إفريقيا على أسس من الثقة والبراغماتية والربح المشترك.

ما بين المغرب وموريتانيا أكبر من مجرد جوار جغرافي؛ إنها علاقة متجذرة في التاريخ، وممتدة في الثقافة، ومبنية على وشائج دينية واجتماعية عميقة، تجد اليوم ترجمتها العملية في مشاريع استراتيجية واعدة.

في هذا السياق، تم إطلاق الدراسات المتعلقة بمشروع الربط الكهربائي بين المغرب وموريتانيا، وهو مشروع طموح من شأنه تعزيز التبادل الطاقي بين البلدين، والمساهمة في تطوير الشبكة الكهربائية على مستوى القارة الإفريقية، خاصة في غربها ودول الساحل.

ولا تقف أهمية هذا المشروع عند حدوده الثنائية، بل يُرتقب أن تمتد آثاره لتشمل شركاء أفارقة آخرين، بل وحتى أوروبا، خصوصًا في ظل توجه المغرب نحو تعزيز الربط الكهربائي مع القارة الأوروبية عبر خط ثالث مع إسبانيا، وخط جديد مع البرتغال، وهي مشاريع دخلت مراحل متقدمة من التشاور والدراسة.

هذا الزخم يعكس إرادة سياسية واضحة لدى قيادتي البلدين، لترجمة الشراكة الثنائية إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع، تشمل مجالات متعددة، من بينها التعليم العالي، والطاقة، والاتصالات، والفلاحة، والمعادن، والنقل بمختلف أنواعه، بما في ذلك النقل البري والجوي، مع آفاق واعدة للنقل البحري.

وتسهم هذه الدينامية في تعزيز المسار التنموي لكلا البلدين، من خلال مشاريع تكاملية تستند إلى مؤهلات مشتركة، وتُرسخ في الآن ذاته دعائم تاريخ مشترك، وتؤسس لمستقبل قائم على التعاون الفعّال والتقدير المتبادل والإنجاز الواقعي.

إن ما يجمع المغرب وموريتانيا اليوم يمثل نموذجًا للدبلوماسية الناعمة والناجعة، التي تقوم على تغليب المصالح المشتركة، وتُحسن إدارة الخلافات عبر تأجيلها بدل تضخيمها، بما يضمن استمرار العمل المشترك وتحقيق نتائجه.

كما يعكس هذا المسار استجابة لتطلعات عميقة لدى الشعبين، اللذين تجمعهما روابط قوية، تجعل من فكرة التقارب والتكامل خيارًا طبيعيًا، بل وضرورة استراتيجية، تتجاوز الحدود السياسية نحو أفق أوسع من الاندماج.

ولا يقتصر أثر هذه الشراكة على الجوانب الاقتصادية، بل يمتد ليشمل أبعادًا أمنية واجتماعية وثقافية، بما يعزز الاستقرار، ويشكل حاجزًا أمام مختلف التحديات، بما فيها الاختراقات المذهبية والانفصالية والتهديدات الأمنية.

وفي بعده القاري، يندرج هذا التعاون ضمن دينامية “جنوب–جنوب”، التي تعزز الثقة في القدرات الذاتية للدول الإفريقية، وتدعم توجهًا جديدًا قائمًا على التكامل بدل التبعية، وعلى الشراكة المتوازنة بدل الاستغلال.

إنها دبلوماسية تقوم على الاحترام المتبادل، وتتحلى بالتواضع، وتبتعد عن منطق الوصاية وإعطاء الدروس، وتعتمد بدلًا من ذلك على منطق “الربح للجميع”، من خلال مشاريع ذات أثر ملموس، تتجاوز حبر الاتفاقيات وعناق الزيارات وحرارة المجاملات إلى نتائج حقيقية.

إنه توجه يستحق التنويه، ومسار يُبشّر بمستقبل واعد للبلدين، قائم على الثقة والتكامل والإنجاز.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة واضحة لتحصين هذه الشراكة الاستراتيجية من كل الأصوات النشاز في البلدين، التي تعمل على تعميق الخلافات، أو تغذية التوترات، أو بث الشكوك بين الشعبين الشقيقين.

كما يقتضي الأمر التعامل بصرامة مع بعض السلوكيات السلبية الصادرة عن بعض الشركات والمؤسسات، التي تتباطأ في تنزيل الاتفاقيات والمشاريع، أو تنحرف عن روحها وأهدافها النبيلة، بما يعرقل مسار التعاون الثنائي ويضعف أثره التنموي.

إن نجاح هذه الشراكة يظل مرهونًا بالالتزام الجاد، والانضباط في التنفيذ، وتغليب منطق المصلحة العامة المشتركة على أي اعتبارات ضيقة أو تقصير إداري أو مؤسساتي أو تعاملات انتهازية.

https://anbaaexpress.ma/4g1pf

عزيز الرباح

وزير سابق رئيس مبادرة الوطن أولا ودائما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى