يُعلّق الشيء الكثير على زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين. اكتشف قبل أيام أنه صديق حميم للزعيم الصيني شي جين بينغ بعد ساعات من فرض واشنطن عقوبات على شركات صينية تتعامل مع إيران.
تتهم واشنطن بكين (وموسكو) بدعم إيران بالمعلومات الاستخبارية والبنى العسكرية. وفي التحليل شبهة بأن رد إيران على اقتراح اتفاق مع واشنطن ينهل حيثياته مما سمعه وزير الخارجية عباس عراقجي من الصينيين أثناء زيارته الأخيرة لبكين.
جرت الزيارة قبل أسبوع من قمة ترامب-شي المرتقبة. تذهب إيران للاستقواء بحليف في بكين بعد أيام من زيارة استقواء أخرى إلى حليف في موسكو. تضيق طهران بموقف للدبلوماسية الصينية يتبنى حذراً يكشف عن تنافر مع المصالح الأميركية لكن عن تقاطع معها أيضا.
في أولويات بكين استقرار إمدادات الطاقة. الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، وإغلاق مضيق هرمز يهدد اقتصادها مباشرة. صمتت بكين طويلاً. لم تُسرّب تبرماً مما تهدده إيران للمضيق.
لكن طهران أقلقها تحوّل صيني مفاجئ، حين طالبتها بكين صراحة برفع القيود عن المضيق. قالها من نيويورك مندوب الصين في الأمم المتحدة، فهرع عراقجي إلى بكين.
يتقاطع هذا الموقف مع الرغبة الأميركية في إعادة فتح الممر البحري، لكنه يختلف في السبب: واشنطن تريد إضعاف أداة الضغط الإيرانية، بينما تريد بكين حماية وارداتها النفطية بغض النظر عن الطرف المسؤول عن الإغلاق.
تمثل إيران للصين حليفاً اقتصادياً واستراتيجياً ضمن مشروع “حزام واحد، طريق واحد”. تشتري بكين النفط الإيراني بأسعار مخفضة، متجاوزة العقوبات الأميركية.
يوفر الأمر لها مورداً رخيصاً ويمنح طهران متنفساً مالياً. لا يصل التعاون بين البلدين، بما في ذلك اتفاقية الشراكة، إلى مستوى الدعم العسكري أو الاستراتيجي الكامل.
يدرك الصينيون أن تورطاً مباشراً مع إيران قد يؤدي إلى مواجهة اقتصادية مع الولايات المتحدة. يزهو هنا مستشار السياسة الخارجية في وزارة الخارجية الصينية، وو شينيو. يُنقل عنه أن “الولايات المتحدة تحارب دون أن تفوز، والصين تفوز دون أن تقاتل”. يثير ذلك الاستنتاج قلق طهران. تشعر بأن بكين قد تضحي بها إذا تعارض الأمر مع مصالحها الأوسع.
تقول المعطيات إن الصين كانت قلقة في بداية الصراع من سيناريو تغيير في إيران يؤدي إلى نظام موالٍ للغرب مثل ذلك الذي قد يأتي بزعامة مثل نجل الشاه السابق، رضا بهلوي. مثل هذا التغيير سيحرم بكين من نفوذها في إيران ويفتح الباب أمام قواعد أميركية أو نفوذ غربي يهدد طريق الحرير.
دعمت الصين إيران دبلوماسياً في المحافل الدولية. رفضت الحصار الأميركي، فيما أطلقت واشنطن مواقف تعتبر أن أي دعم صيني لإيران هو تمويل غير مباشر للإرهاب. كان ترامب يتهم بكين بشراء النفط الإيراني المهرّب، فيما تقارير مخابراتية أميركية قالت إن الصين تفعل أكثر من ذلك.
للمفارقة هناك تقاطع مصالح خفي بين واشنطن وبكين. تحرص الصين على بقاء نظام إيران قوياً بما يكفي ليظل مصدر إزعاج لأميركا في الشرق الأوسط، من دون جر بكين إلى مواجهة مباشرة. تستنتج بكين أن فشل واشنطن في تحقيق انتصار حاسم في الحرب يضعف موقف ترامب التفاوضي قبل القمة المقبلة.
هنا تستغل بكين الوضع لتعزيز نفوذها: تطالب برفع القيود الإيرانية عن هرمز مقابل دعوة الولايات المتحدة لرفع حصارها البحري، وتتطوّع لتقديم نفسها وسيط سلام مسؤول. يسمح هذا التوازن للصين بالحفاظ على علاقاتها مع دول الخليج (خاصة السعودية) والاستمرار في شراء النفط الإيراني رخيصاً.
تكشف زيارة عراقجي عن إدراك طهران لحدود الشراكة. أثارت المطالب الصينية المتكررة برفع القيود عن المضيق المخاوف من “خيانة” محتملة. سبق لوزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف أن حذر من مخاطر الاعتماد الزائد على الصين التي تضع مصالحها الاقتصادية العالمية في المقام الأول.
تعكس سياسة الصين تجاه أزمة إيران فلسفتها الاستراتيجية الكبرى: الربح من دون قتال. والتحالف مع إيران (كما مع روسيا بالمناسبة) يعني انتهازية تجبر إيران (وروسيا أيضا) على بيع النفط بأسعار مخفضة.
أما التوازن فيعني أن الشراكة مع إيران ليست استراتيجية ولا يمكن أن يُسمح لها أن تضرّ بشراكات أخرى مع العالم العربي (الخليج خصوصاً) وإسرائيل. تتقاطع بكين (وموسكو) وواشنطن على منع إيران من امتلاك قنبلة نووية. وواضح أن الطرفين الصيني والأميركي يلعبان في هذا الصدد لعبة الشرطي السيئ والشرطي اللطيف المكشوفة.
ستكون قمة ترامب-شي اختباراً حاسماً لهذا التوازن الدقيق. قد تضغط واشنطن على بكين لممارسة نفوذ أكبر على طهران مقابل تنازلات تجارية واعتراف للصين بالمكانة والرقم الصعب الذي تمثله في الشرق الأوسط.
ستعود بكين وواشنطن لضبط أبجديات الصراع بحيث يعزز ترامب صداقة حميمة مع العزيز شي ويُبعد الأخير الصدام بين الدولتين إلى مواعيد قصوى. أما إيران، فلا مناص لها من الزعم بامتلاكها شراكة مع حليف كبير جداً: ينهل ما يطيب في الاقتصاد ولا يمكن الوثوق به في أوقات الضيق. الأمر ينسحب على الشريك في موسكو.
