في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، خاصة في الشرق الأوسط على خلفية المواجهة مع إيران، إلى جانب استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التنافس مع روسيا والصين، برزت شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية كأحد أبرز المستفيدين من هذا السياق المضطرب، مسجلة أرقامًا قياسية في الإيرادات والطلبيات العسكرية.
وتشير تقديرات وتقارير دولية إلى أن مبيعات القطاع الدفاعي الأمريكي بلغت نحو 400 مليار دولار خلال الأشهر الأخيرة، مدفوعة بزيادة غير مسبوقة في الطلب على الأسلحة والمعدات العسكرية، في وقت تسارع فيه دول عدة إلى تعزيز ترساناتها الدفاعية وتعويض مخزوناتها في ظل مخاوف من اتساع رقعة النزاعات.
طفرة في المبيعات والطلبيات
أعلنت شركات كبرى مثل RTX ونورثروب غرومان ولوكهيد مارتن وجنرال إلكتريك أيروسبايس عن ارتفاع ملحوظ في نتائجها المالية، بالتوازي مع تزايد الطلب على أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والمقاتلات المتقدمة.
وسجلت شركة RTX مبيعات بلغت 22.1 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2026، بزيادة تقارب 9% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما قفزت قيمة طلبياتها إلى 271 مليار دولار، في مؤشر على الطلب المستقبلي المرتفع.
بدورها، حققت “جنرال إلكتريك أيروسبايس” نموًا لافتًا بنسبة 25% لتصل إيراداتها إلى 12.4 مليار دولار، مدفوعة بزيادة الطلب على محركات الطائرات العسكرية، في حين بلغت مبيعات “نورثروب غرومان” نحو 9.9 مليارات دولار، مستفيدة من توسع استخدام الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الاستراتيجي.
أما “لوكهيد مارتن”، أكبر مزود للأسلحة للجيش الأمريكي، فقد حافظت على مستويات قوية بإيرادات تقارب 18 مليار دولار، مدعومة بالإقبال المستمر على مقاتلات F-35 Lightning II ومنظومات الدفاع الجوي.
تصاعد الطلب على الأنظمة القتالية
تزايد الطلب بشكل خاص على أنظمة الدفاع مثل باتريوت وثاد، إضافة إلى صواريخ توماهوك، إلى جانب المقاتلات متعددة المهام مثل F-16 Fighting Falcon، في ظل اعتماد متزايد على هذه المنظومات في النزاعات الحالية.
وفي هذا السياق، كشفت تصريحات مسؤولين أمريكيين عن خطط لتوسيع الإنتاج العسكري، خاصة في مجال الصواريخ والذخائر، بالتنسيق مع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، بهدف تلبية الطلب المتزايد وتسريع وتيرة التوريد.
استنزاف المخزونات وتسريع إعادة التسلح
أظهرت التطورات الميدانية، خصوصًا في الشرق الأوسط، حجم الاستهلاك الكبير للذخائر وأنظمة الدفاع، ما أدى إلى استنزاف سريع في المخزونات العسكرية لدى عدد من الدول. وقد دفع ذلك الولايات المتحدة وشركاءها الأوروبيين إلى تسريع برامج إعادة التسلح وتعزيز الجاهزية الدفاعية تحسبًا لأي تصعيد إضافي.
جدل متجدد حول نفوذ المجمع الصناعي العسكري
في المقابل، أعادت هذه الطفرة في أرباح شركات السلاح إحياء النقاش داخل الولايات المتحدة حول دور ما يُعرف بـ“المجمع الصناعي العسكري”، حيث يرى مراقبون أن تنامي أرباح هذه الشركات يقابله اتساع في نفوذها داخل دوائر صنع القرار، من خلال علاقاتها الوثيقة مع المؤسسات السياسية والعسكرية وجماعات الضغط.
ويعكس هذا المشهد تداخلًا متزايدًا بين الاقتصاد والسياسة في سياق الحروب الحديثة، حيث لم تعد النزاعات مجرد مواجهات عسكرية، بل تحولت إلى محركات اقتصادية تعيد تشكيل موازين القوى داخل سوق السلاح العالمي.




