آراءسياسة
أخر الأخبار

وقف نار أم تفويض مفتوح؟ كيف تحوّل الصمت الرسمي اللبناني إلى غطاء للعدوان الإسرائيلي

هذا الصمت لم يعد يُفسَّر على أنّه تقصير فقط، بل بات يبدو أقرب إلى قبول ضمني بالأمر الواقع الذي تفرضه واشنطن وتنفذه إسرائيل..

منذ الإعلان عمّا سُمّي “وقفًا لإطلاق النار”، لم يعرف الجنوب اللبناني يومًا واحدًا من الهدوء الحقيقي. ما يجري على الأرض لا يشبه أي اتفاق تهدئة، بل يبدو أقرب إلى مرحلة جديدة من الحرب، أكثر خطورة وتنظيمًا، تقوم على سياسة إسرائيلية واضحة؛ تدمير الجنوب تدريجيًا وتحويله إلى منطقة منهكة، خالية من مقومات الحياة، تحت غطاء أميركي وصمت رسمي لبناني مريب.

إسرائيل لم تتعامل مع “وقف النار” كالتزام بإنهاء العمليات العسكرية، بل كفرصة لإدارة الحرب بشروط أكثر راحة سياسيًا وإعلاميًا. فمنذ الأيام الأولى للاتفاق، بدأت سياسة الأرض المحروقة تتوسع بوتيرة غير مسبوقة.

قرى بكاملها تعرضت لعمليات نسف وتجريف ممنهج، أحياء سكنية سويت بالأرض، بنى تحتية دُمّرت بشكل متعمد، طرقات قطعت، أراضٍ زراعية أُحرقت، ومنازل لم يعد يصلح فيها حجر فوق حجر وحتى القصف الممنهج اليومي لأطقم الإسعاف من دفاع مدني وصليب أحمر وهيئات محليه.

الهدف لم يعد فقط ضرب مواقع أو استهداف مجموعات المقاومة، بل ضرب البيئة الحاضنة نفسها، وتحويل الجنوب إلى مساحة مستنزفة اقتصاديًا واجتماعيًا وإنسانيًا. إنها حرب على الجغرافيا والديموغرافيا معًا، تهدف إلى فرض واقع جديد بالنار والدمار والخوف.

الغارات الجوية لم تتوقف يومًا

الطائرات الإسرائيلية تضرب القرى والبلدات الجنوبية بعنف متصاعد، مستهدفة أحياء كاملة تحت ذرائع فضفاضة حول “التهديدات المحتملة”. واللافت أنّ بنك الأهداف الإسرائيلي لم يعد يقتصر على المناطق الحدودية، بل امتد عميقًا نحو البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، في رسالة واضحة مفادها أنّ كل المناطق التي تتواجد فيها المقاومة باتت ساحة مستباحة طالما أنّ الغطاء الأميركي قائم والصمت اللبناني مستمر.

أما الضاحية الجنوبية، التي يفترض نظريًا أنّها خارج مرحلة الحرب – نوعًا ما- بعد إعلان التهدئة، فلا تزال تعيش حالة شلل حقيقية.

الحياة الطبيعية لم تعد إليها بالكامل، ليس فقط بسبب آثار الدمار، بل بسبب التهديد الإسرائيلي الدائم. الناس يعيشون تحت احتمال الغارة في أي لحظة، فيما تحوّلت الطائرات المسيّرة إلى جزء يومي من المشهد النفسي والأمني.

وفي الجنوب تحديدًا، تتواصل محاولات التقدم البري الإسرائيلي بشكل شبه يومي. الاحتلال يحاول فرض وقائع ميدانية جديدة عبر التسلل نحو قرى إضافية والسيطرة على تلال ومواقع استراتيجية، لكن هذه المحاولات تواجه تصديًا مباشرًا من المقاومة التي نجحت حتى الآن في إفشال ومنع تثبيت هذا التمدد وتحويله إلى احتلال دائم.

ولهذا السبب تحديدًا، يذهب العدو أكثر فأكثر نحو سياسة التدمير الشامل، لأنه يدرك أنّ الحسم البري الكامل ما زال بعيد المنال.

وسط كل هذا المشهد.. تبدو السلطة اللبنانية وكأنها في عالم آخر

رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يكرران عبارات دبلوماسية باردة عن “ضرورة الالتزام بالتهدئة” و”أهمية الاستقرار”، بينما الجنوب يُسحق يوميًا تحت النار. لا خطاب سيادي حقيقي، لا تحرك سياسي بحجم الكارثة، لا مواجهة دبلوماسية مع الأميركي أو المجتمع الدولي، وكأنّ المطلوب من اللبنانيين أن يعتادوا على فكرة أنّ القصف الإسرائيلي أصبح جزءًا طبيعيًا من حياتهم.

أما أحزاب اليمين اللبناني، التي ملأت الشاشات سابقًا بخطابات السيادة ورفض الوصايات، فقد اختارت اليوم صمتًا يكاد يكون تواطؤًا سياسيًا كاملاً. لم نعد نسمع غضبًا على انتهاك السيادة، ولا اعتراضًا على الاحتلال والتجريف والتدمير، لأنّ الحسابات السياسية الضيقة لديهم تتقدم على أي اعتبار وطني أو إنساني.

لكن الدور الأكثر إثارة للريبة يبقى أداء وزارة الخارجية اللبنانية

فالوزير الذي لا يتأخر في إصدار بيانات إدانة واستنكار لأي حدث يقع في أقصى العالم، يبدو غائبًا بشكل مريب عن اتخاذ موقف واضح وحازم تجاه ما يتعرض له الجنوب اللبناني وأهله. صمت طويل وثقيل أمام المجازر اليومية، أمام تدمير القرى، أمام تهجير الناس، أمام تحويل مناطق لبنانية كاملة إلى أرض محروقة.

أين الخارجية اللبنانية من كل ما يجري؟

أين بياناتها؟ أين شكاواها الدولية؟

أين تحركها في الأمم المتحدة؟

أم أنّ الجنوب اللبناني لم يعد ضمن أولويات الدبلوماسية الرسمية لأنّه لا يدخل في حسابات التوازنات السياسية الداخلية؟

هذا الصمت لم يعد يُفسَّر على أنّه تقصير فقط، بل بات يبدو أقرب إلى قبول ضمني بالأمر الواقع الذي تفرضه واشنطن وتنفذه إسرائيل. وكأنّ هناك من قرر في السلطة اللبنانية أنّ الجنوب يمكن التضحية به مقابل الحفاظ على توازنات سياسية معينة أو رضا خارجي مؤقت او للحفاظ على مناصبهم التي اكتسبوها بطلب اميركي.

ما يجري اليوم أخطر بكثير من مجرد عدوان عسكري

إنه محاولة لإعادة رسم معادلة لبنان بالقوة، جنوب تحتالنار الدائمة، مقاومة تحت الاستهداف المفتوح، دولة غائبة أو صامتة، وأميركا تمنح العدو الإسرائيلي حق الحرب باسم “الدفاع عن النفس”.

وفي ظل هذا المشهد، يصبح السؤال الحقيقي:

هل ما زالت هناك سلطة تعتبر أنّ الجنوب جزء من لبنان أصلًا، أم أنّ هذا الجزء تُرك وحيدًا يواجه مصيره بين آلة التدمير الإسرائيلية والصمت الرسمي الداخلي؟

لكن، ورغم كل هذا الخراب، يبقى الجنوب اللبناني حالة استثنائية في الوعي والوجدان والصمود.

هذا الجنوب الذي عرف الاحتلال طويلًا، وعرف المجازر والحروب والاجتياحات، لم يتحول يومًا إلى أرض مهزومة، بل إلى مساحة دائمة لإنتاج المقاومة والحياة معًا.

أهل الجنوب الذين يعيشون اليوم بين الغارات والدمار والنزوح، لا يواجهون فقط آلة عسكرية هي الأقوى في المنطقة، بل يواجهون أيضًا شعورًا مريرًا بالخذلان الرسمي والصمت السياسي. ومع ذلك، لم ينكسروا. القرى التي تُقصف تعود إليها الحياة كلما هدأت الطائرات، والناس الذين تُهدم بيوتهم يحملون مفاتيح العودة بدل رايات الاستسلام.

في الجنوب، لا يُقاس الصمود بالشعارات، بل بحقيقة أنّ الناس ما زالوا متمسكين بأرضهم رغم كل شيء. وما زالوا يؤمنون أنّ المقاومة التي أجبرت الاحتلال الإسرائيلي سابقًا على الانسحاب مذلولًا من معظم الأرض اللبنانية، قادرة اليوم أيضًا على منع سقوط الجنوب وكسر المشروع الإسرائيلي مهما طال العدوان وتعاظمت التضحيات.

هذا الإيمان ليس تفصيلًا عاطفيًا أو خطابًا تعبويًا، بل تجربة عاشها الجنوبيون بأنفسهم. هم يعرفون أنّ إسرائيل التي دمرت القرى في السابق، عادت وانسحبت منها. ويعرفون أنّ الركام يمكن إعادة بنائه، وأنّ ما يهدمه العدوان تستطيع الإرادة أن تعيده أقوى مما كان.

لهذا، ورغم النار المفتوحة وسياسة الأرض المحروقة، لا يبدو الجنوب منطقة يائسة أو مستسلمة، بل جبهة صبر طويلة. هناك شعب كامل قرر ألّا يمنح عدوه انتصارًا نفسيًا، حتى لو دفع أثمانًا باهظة.

قد تُدمَّر البيوت والطرقات والأحياء، لكن ما لم تستطع إسرائيل تدميره طوال عقود، لن تستطيع تدميره اليوم أيضًا: إرادة الناس، وإيمانهم بأنّ هذه الأرض التي تحررت بالدم سابقًا، ستبقى عصية على الكسر، وستنهض من جديد مهما حاول الاحتلال تحويلها إلى رماد.

https://anbaaexpress.ma/v8eli

داني الامين

صحفي لبناني ومستشار علاقات عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى