أثار توسع أنشطة ما يُعرف بـ الحزب القومي الريفي في إسبانيا موجة من الجدل، بعد إعلانه افتتاح فرع جديد في جيرونا وتنظيم مؤتمر في مدريد، في خطوة يراها مراقبون محاولة لإعادة تسويق خطاب انفصالي داخل الفضاء الأوروبي تحت عناوين “الحوار” و”العدالة”.
خطاب مزدوج بين الحقوق والانفصال
ورغم رفع شعارات ذات طابع حقوقي، إلا أن مضمون تحركات هذا التيار، بحسب متابعين، يتجاوز مطالب اجتماعية أو ثقافية مشروعة، ليتجه نحو إعادة إحياء أطروحات انفصالية ترتبط تاريخيًا بسياقات متوترة، خاصة مع استحضار أحداث حرب الريف وتقديمها بشكل انتقائي يخدم سردية سياسية محددة.
هذا التوظيف للتاريخ، وفق محللين، لا يهدف إلى قراءة موضوعية للماضي، بقدر ما يسعى إلى بناء خطاب تعبوي موجه لجمهور معين، خصوصًا داخل الجالية، عبر استثارة مشاعر الهوية والتمييز.
تقاطعات مقلقة مع اليمين المتطرف
اللافت في هذه التحركات هو طبيعة الشخصيات المشاركة فيها، وعلى رأسها دييغو كاماتشو، المعروف بقربه من حزب Vox، أحد أبرز أحزاب اليمين المتطرف في إسبانيا.
ويطرح هذا التقاطع تساؤلات جدية حول طبيعة التحالفات التي يسعى إليها هذا التيار، خاصة أن الخطاب اليميني المتشدد في أوروبا غالبًا ما يتخذ مواقف سلبية من المهاجرين، بما فيهم المغاربة.
وهو ما يخلق مفارقة واضحة: كيف يمكن لحركة تدّعي الدفاع عن حقوق فئة من المهاجرين أن تجد نفسها في نفس الفضاء مع تيارات تُعرف بعدائها لتلك الفئة؟
دعم خارجي أم مبادرة ذاتية؟
في ظل هذا المشهد، يذهب عدد من المحللين إلى أن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن صراعات إقليمية أوسع، حيث تطرح تساؤلات حول وجود دعم غير مباشر من أطراف إقليمية خاصة من الجزائر، تسعى إلى توظيف بعض القضايا الهوياتية للضغط على المغرب في ملفات استراتيجية.
و نمط الخطاب، وتوقيته، ومجالات تحركه خارج التراب المغربي، كلها عناصر تستخدم في قراءة هذه التحركات باعتبارها جزءًا من حرب ناعمة تخاض عبر الفضاءات الإعلامية والحقوقية.
استهداف الجالية ومحاولة خلق انقسام
يركز هذا التيار بشكل واضح على الجالية المغربية في إسبانيا، خصوصًا المنحدرين من منطقة الريف، في محاولة لبناء قاعدة دعم خارجية.
غير أن هذا التوجه يُقابل برفض واسع من داخل الجالية نفسها، التي ترى في هذه الخطابات عامل تقسيم يمس بوحدتها ويضعها في مواجهة غير مبررة مع بلدها الأم.
كما يحذر فاعلون جمعويون من أن استغلال قضايا الهوية في سياق أوروبي حساس قد ينعكس سلبًا على صورة المغاربة في الخارج، ويغذي خطابات التطرف من مختلف الاتجاهات.
قراءة في الأهداف الحقيقية
يرى مراقبون أن الهدف النهائي لهذه التحركات لا يقتصر على التعبير السياسي، بل يتعداه إلى محاولة خلق “قضية” خارج الحدود، عبر تدويل خطاب معين واستثماره في المحافل الأوروبية، مستفيدًا من مناخ الحريات الواسع.
غير أن هذا المسار يظل محدود التأثير، في ظل غياب امتداد حقيقي داخل المغرب، وافتقاره إلى قاعدة شعبية واسعة، إضافة إلى تناقضاته الداخلية وتحالفاته المثيرة للجدل.
وتبدو تحركات “القومي الريفي” في إسبانيا أقرب إلى محاولة إعادة إنتاج خطاب انفصالي في سياق جديد، معتمدة على أدوات إعلامية وحقوقية، لكنها تصطدم بواقع سياسي واجتماعي لا يوفر لها شروط التحول إلى مشروع مؤثر.
وبينما يسعى هذا التيار إلى تقديم نفسه كمدافع عن “قضية”، يرى منتقدوه أنه يساهم في خلق انقسامات غير مبررة، ويخدم أجندات تتجاوز بكثير الشعارات التي يرفعها.




