الشأن الإسبانيسياسة
أخر الأخبار

انتخابات الأندلس.. تكشف تراجع الاشتراكيين وتعيد تشكيل المشهد السياسي الإسباني قبل استحقاق 2027

عزز حزب Vox اليميني حضوره بحصوله على 15 مقعداً، ما يجعله شريكاً حاسماً في تشكيل الحكومة الإقليمية، ويؤكد استمرار صعود التيار المحافظ المتشدد داخل إسبانيا، وهو صعود يفرض معادلات جديدة على الحزب الشعبي الذي يجد نفسه مضطراً للتحالف

 شهد إقليم الأندلس، أكبر الأقاليم الإسبانية من حيث عدد السكان، تحولات سياسية لافتة عقب الانتخابات الإقليمية الأخيرة، حيث تكبد الحزب الاشتراكي الحاكم بزعامة بيدرو سانشيز واحدة من أسوأ نتائجه في هذا المعقل التاريخي، في مقابل احتفاظ الحزب الشعبي المحافظ بالصدارة رغم تراجع نسبي في عدد مقاعده، ما يعكس مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات داخل المشهد السياسي الإسباني.

ووفق النتائج شبه النهائية، حصل الحزب الشعبي على 53 مقعداً من أصل 109، متراجعاً مقارنة بانتخابات 2022، لكنه حافظ على موقعه كأول قوة سياسية في الإقليم، بينما نال الحزب الاشتراكي 28 مقعداً فقط، في نتيجة تؤكد استمرار فقدانه لقاعدته الانتخابية في منطقة ظل يهيمن عليها لأكثر من ثلاثة عقود حتى عام 2018.

وقد حاولت القيادة الاشتراكية استعادة المبادرة من خلال الدفع بماريا خيسوس مونتيرو، إحدى أبرز الوجوه الحكومية السابقة، إلا أن هذه الخطوة لم تنجح في وقف التراجع، في ظل سياق سياسي معقد داخلياً ووطنياً.

في المقابل، عزز حزب Vox اليميني حضوره بحصوله على 15 مقعداً، ما يجعله شريكاً حاسماً في تشكيل الحكومة الإقليمية، ويؤكد استمرار صعود التيار المحافظ المتشدد داخل إسبانيا، وهو صعود يفرض معادلات جديدة على الحزب الشعبي الذي يجد نفسه مضطراً للتحالف مع هذا الحزب لضمان الاستقرار السياسي، رغم ما قد يترتب على ذلك من كلفة سياسية على المستوى الوطني والأوروبي.

وتأتي هذه النتائج في سياق ضاغط على الحكومة المركزية، التي واجهت خلال الأشهر الماضية انتقادات حادة على خلفية حادث تصادم قطارات مميت في الأندلس، إضافة إلى تداعيات قضايا قضائية طالت مقربين من رئيس الوزراء، فضلاً عن الجدل الواسع الذي أثارته التنازلات المقدمة للأحزاب القومية في إقليم كتالونيا، وهو ما انعكس سلباً على شعبية الحزب الاشتراكي في عدد من الأقاليم، خاصة في الجنوب.

وتكتسي هذه الانتخابات أهمية خاصة باعتبارها مؤشراً مبكراً على ملامح الانتخابات التشريعية المرتقبة في عام 2027، حيث تشير النتائج إلى احتمال استمرار حالة التشرذم السياسي، مع صعوبة حصول أي حزب على أغلبية مريحة دون اللجوء إلى تحالفات معقدة.

فالحزب الاشتراكي يواجه تحدياً حقيقياً يتمثل في استعادة ثقة الناخبين وإعادة بناء حضوره في الأقاليم الكبرى، بينما يسعى الحزب الشعبي إلى توسيع قاعدته الانتخابية دون الارتهان الكامل لتحالفات مع اليمين المتشدد، في حين يواصل حزب Vox ترسيخ موقعه كفاعل مؤثر قادر على ترجيح كفة تشكيل الحكومات.

وعلى الصعيد الخارجي، لا تقتصر تداعيات هذه النتائج على الداخل الإسباني، بل تمتد إلى علاقات مدريد مع شركائها، وفي مقدمتهم المغرب، الذي يرتبط مع إسبانيا بعلاقات استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل التعاون السياسي والأمني والاقتصادي.

ففي حال استمرار الحزب الاشتراكي في الحكم، من المرجح أن تتواصل الدينامية الحالية للعلاقات الثنائية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تقارباً ملحوظاً خاصة في ملفات الهجرة والتنسيق الأمني وقضية الصحراء المغربية، بينما قد يؤدي صعود اليمين، خصوصاً في حال تعاظم دور حزب Vox، إلى تشديد الخطاب السياسي تجاه قضايا الهجرة والحدود، وهو ما قد ينعكس على طبيعة التعاون الثنائي.

اقتصادياً، تظل الأندلس شريكاً محورياً للمغرب بحكم القرب الجغرافي وتشابك المصالح، خاصة في مجالات الفلاحة والتجارة البحرية والاستثمارات، ما يجعل أي تحول سياسي في الإقليم عاملاً مؤثراً في دينامية هذه العلاقات.

ويمكن القول أن انتخابات الأندلس تكشف  عن مشهد سياسي إسباني يتجه نحو مزيد من التعقيد، حيث تتراجع الأحزاب التقليدية أمام صعود قوى جديدة، وتفرض التحالفات نفسها كخيار لا مفر منه، في انتظار ما ستسفر عنه الاستحقاقات المقبلة في 2027، والتي تبدو مفتوحة على جميع السيناريوهات، وسط تحديات داخلية وضغوط خارجية قد تعيد رسم ملامح السلطة في إسبانيا وتؤثر في موقعها الإقليمي والدولي.

https://anbaaexpress.ma/93pod

عبد الحي كريط

باحث وكاتب مغربي، مهتم بالشأن الإسباني، مدير نشر أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى