فايز أبو رزق
رغم اختلاف مواقف الصحفيين الإسرائيليين بين مؤيدين لاستمرار الحرب على غزة ومتحفظين عليها، فإنها تبقى في معظمها نقاشا يدور داخل المنظومة الإسرائيلية ذاتها حول الأهداف والقيادة أكثر مما يدور حول أصل الحرب ذاته.
ويعكس هذا الانقسام، في جوهره، طبيعة العلاقة المعقدة بين الإعلام الإسرائيلي والمؤسسة السياسية والأمنية، حيث لا يبدو الإعلام مجرد ناقل للأحداث بقدر ما هو جزء من بيئة صناعة القرار وتوجيه الرأي العام.
والأخبار التي تنشر في الصحف العبرية الرئيسية تنتجها شبكة من المحللين والمراسلين، وتبنى في كثير من الأحيان على اعتبارات أمنية وسياسية أكثر من كونها نقلا خبريا محايدا.
كما أن التسريبات الأمنية تلعب دورا مؤثرا في توجيه الرأي العام، إذ تستخدم في أحيان كثيرة لتشكيل المزاج السياسي وتبرير خيارات ميدانية أو الضغط باتجاهها، ما يجعل الحدود بين الخبر والتحليل وبين المعلومة والتوجيه غير واضحة بشكل كامل.
وفي هذا السياق يمكن تمييز تيارين بارزين داخل المشهد الإعلامي الإسرائيلي. التيار الأول مقرب من اليمين الإسرائيلي، ويقوده إعلاميا محللون مثل عميت سيغل ويونان ميغال وتسفي يحزكيلي وآخرون.
يرى هذا التيار أن الحرب على غزة لم تحقق أهدافها بعد، وأن على إسرائيل العودة إلى العمليات العسكرية الواسعة، مع التركيز على أن حركة حماس ما زالت تحتفظ بقدرات عسكرية وتنظيمية، بما في ذلك الأنفاق وقدراتها على إعادة بناء قوتها العسكرية والإدارية، وهو ما يستخدم لتبرير استمرار أو توسيع العمليات العسكرية تحت مفردات مثل استكمال المهمة واستعادة الردع.
في المقابل، يوجد في الصحافة الإسرائيلية تيار أكثر تحفظا، يضم صحفيين ومحللين مثل عاموس هارئيل ورفيف دروكر وباراك رافيد وغيرهم.
يحذر هذا التيار من حرب مفتوحة بلا أفق سياسي واضح، ويرى أن استمرار العمليات العسكرية قد يتحول إلى استنزاف طويل الأمد دون تحقيق نتائج استراتيجية حاسمة، كما يشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية توظف استمرار الحرب أيضا في سياق إدارة أزماتها السياسية الداخلية وتعزيز موقعها في المشهد السياسي، وأن التحليلات في هذا السياق قد تتحول إلى تبرير للقرار السياسي أو ضغط عليه بحسب اللحظة.
ومن المهم التنويه إلى أن التيار النقدي لا يعارض الحرب بالضرورة من منطلق إنساني مرتبط بمعاناة الفلسطينيين، كما عند كتاب مثل غدعون ليفي وعميرة هاس ويوري مسغاف.
بل يركز أساسا على كلفة الحرب على إسرائيل نفسها، سواء من حيث الأعباء العسكرية والاقتصادية أو التداعيات السياسية والدولية.
ورغم اختلاف مواقف التيارين بين تأييد الحرب وانتقادها، فإن أغلب هؤلاء يلتقون عند نقطة مركزية هي الانحياز لمصالح إسرائيل، فيما يتركز الخلاف غالبا حول بنيامين نتنياهو وإدارته للحرب أكثر من أصل الخيار العسكري نفسه.
وفي المحصلة، لا يبدو المشهد الإعلامي في إسرائيل بعيدا عن سياق القرار السياسي، بل جزءا من منظومة تفاعلية تتداخل فيها التسريبات الأمنية والتحليلات الإعلامية في تشكيل اتجاهات النقاش وحدود ما يمكن قوله وما يمكن تنفيذه.
* كاتب وصحفي من غزة




