لم تكن قوة الشعب الفلسطيني، في أي مرحلة من تاريخه الحديث، نابعة من امتلاكه السلاح أو مراكمة أدوات العنف، بل من موقعه الأخلاقي كضحـية واضحة لاحتلال عسكري استيطاني يمتلك واحدة من أقوى آلات الحرب في العالم.
هذا التناقض الصارخ بين شعب أعزل وقوة عسكرية مفرطة هو ما منح القضية الفلسطينية تعاطفاً دولياً واسعاً، وجعلها مفهومة وبديهية في الوعي الإنساني العالمي.
لقد شكّل مشهد الطفل الفلسطيني الذي يواجه جندياً إسرائيلياً مدججاً بالسلاح بحجرٍ في يده أيقونة سياسية وأخلاقية، عبّرت ببلاغة عن جوهر الصراع.
لم يحتج ذلك المشهد إلى تبرير أو خطاب معقد؛ فقد قدّم الحقيقة عارية: احتلال في مواجهة شعب محروم من أبسط أدوات القوة. ظهر ذلك بقوة خلال أحداث انتفاضة الحجارة التي جندت الرأي الدولي لصالح القضية الفلسطينية، واعادت الاعتبار لنضال الشعب الفلسطيني باعتباره نضالًا سليمًا في مواجهة دولة الاحتلال.
كان مصدر قوة الشعب الفلسطيني، تاريخياً، كامناً في ضعفه الظاهر؛ في كونه شعباً أعزل يواجه واحدة من أعنف آلات الحرب في العالم.
هذا التناقض الأخلاقي الصارخ هو ما منح القضية الفلسطينية تعاطفاً دولياً واسعاً، وتجسّد بأبلغ صوره في مشهد الطفل الفلسطيني الذي يواجه جندياً إسرائيلياً مدججاً بالسلاح بحجرٍ في يده خلال انتفاضة الحجارة التي انطلقت عام 1987.
غير أن هذا الرصيد الأخلاقي بدأ بالتآكل مع تبنّي قوى فلسطينية خطاب “المقاومة المسلحة” بوصفه مشروعاً استراتيجياً بديلاً، مقروناً بادعاءات امتلاك القوة وتحقيق توازن ردع مع إسرائيل.
هذا التحول لم يكن فقط غير واقعي في ظل اختلال ميزان القوى، بل مثّل خطأً استراتيجياً فادحاً، إذ نقل الفلسطينيين من موقع الضحية الواضحة إلى موقع الطرف المتنازع عليه في حرب غير متكافئة.
إن السعي إلى مراكمة أدوات عسكرية، والترويج لوهم “توازن الردع” مع دولة تفوق الفلسطينيين عسكرياً وتقنياً بشكل ساحق. هذا التحول لم يكن مجرد خطأ في التقدير، بل خطأ استراتيجياً عميقاً، إذ وفّر للاحتلال الإسرائيلي المبرر الأخلاقي والسياسي لشن حروب تدميرية واسعة، دون أن يواجه ضغطاً دولياً حقيقياً، كما بدا جلياً بعد السابع من أكتوبر.
كما أدّى هذا المسار إلى إضعاف، بل شلّ، أدوات النضال السياسي والقانوني والدبلوماسي، حيث أصبحت القضية الفلسطينية محاصرة بسلسلة من الضغوط الدولية والإقليمية، وفقدت قدرتها على استثمار القانون الدولي والرأي العام العالمي لصالحها.
وقد استثمرت إسرائيل هذا التحول بمهارة، لتمنح نفسها الغطاء الأخلاقي والسياسي اللازم لتصعيد غير مسبوق في استخدام القوة، وفرض عقاب جماعي واسع النطاق، دون أن تواجه ضغطاً دولياً فعّالاً.
وقد بلغ هذا المسار ذروته بعد السابع من أكتوبر، حيث بدا العالم عاجزاً – أو غير راغب – في كبح الصلف الإسرائيلي، في ظل سردية باتت مشوشة ومخترقة.
الأخطر من ذلك أن هذا النهج ألحق ضرراً بالغاً بأدوات النضال السياسي والقانوني والدبلوماسي، التي شكّلت لعقود إحدى ساحات الاشتباك الأساسية مع الاحتلال.
فالعمل في المحافل الدولية، واستثمار القانون الدولي، وبناء التحالفات، جميعها تتطلب سردية أخلاقية واضحة، وإجماعاً دولياً نسبياً، وهو ما بات مفقوداً تحت وطأة الضغوط والابتزاز السياسي.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة وطنية شاملة، لا تنطلق من منطق التبرير أو المكابرة، بل من الاعتراف بأن مسار السنوات الماضية أفضى إلى مأزق عميق.
مراجعة تعيد تعريف طبيعة الصراع، وتؤكد أن الفلسطينيين ليسوا طرفاً متكافئاً في حرب، بل شعباً واقعاً تحت احتلال عسكري، يناضل من أجل الحرية والكرامة.
إن إعادة بناء استراتيجية وطنية فلسطينية جديدة تستوجب استعادة السردية الأصلية للقضية، بوصفها قضية تحرر وطني قائمة على العدالة والقانون الدولي، وتعيد توجيه النضال نحو المقاومة الشعبية الواسعة، والعمل السياسي المنظم، والاشتباك القانوني والدبلوماسي طويل النفس.
فالقوة الحقيقية التي امتلكها الفلسطينيون يوماً لم تكن في فوهة بندقية، بل في قدرتهم على كشف الظلم، وتعريته أمام العالم، وتحويل ضعفهم إلى مصدر شرعية وقوة.
في لحظة تاريخية تتكثف فيها الخسائر وتتقلص الخيارات، قد يكون الرهان الوحيد المتبقي هو استعادة العقل الاستراتيجي، والعودة إلى الأساس: أن نكون، أولاً وقبل كل شيء، شعباً يطالب بحقه في الحياة والحرية، لا طرفاً يُستدرج إلى معركة غير متكافئة يدفع ثمنها وحده!
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة بناء استراتيجية وطنية فلسطينية جديدة، تقوم على أسس واقعية وأخلاقية صلبة، وتعيد الاعتبار للسردية الفلسطينية بوصفها سردية شعب أعزل يرزح تحت الاحتلال، لا طرفاً متكافئاً في صراع عسكري.
استراتيجية تعيد توجيه النضال الوطني نحو استعادة الشرعية الأخلاقية والسياسية، باعتبارها مصدر القوة الحقيقي والأكثر استدامة للشعب الفلسطيني.




