عشت حياة هادئة، والدي أستاذ لمادة التاريخ، والدتي ممرضة، و لي إخوة ثلاثة أنا رابعهم و أكبرهم، كنا نقوم بزيارات ترفيهية لأماكن أثرية جميلة و رائعة مثل قصبة الاوداية و شالة و صومعة حسان و غابة المعمورة و لأزقة المدن القديمة مثل سلا و الرباط..
كنا نتجول و نستمتع بما يخبرنا والدنا من تاريخ و دول تعاقبت، و لم يكن يقتصر ذلك على المدن القريبة، بل فترة الصيف كانت فرصة لنا جميعا لتحديد وجهة جديدة إما شرقا أو غربا أو شمالا أو جنوبا، كانت الرياضة عشقي في أوقات الفراغ، بالنسبة لإخوتي كانت تجمعنا مسلسلات كارتونية نحرص أن نراها جميعا و كنا نستمتع بما نشاهد و نتخيل أنفسنا نحن الأبطال، بل كنا نلعب في أقرب حديقة و نلهو و كانت لنا أوقات نختلي فيها لمراجعة الدروس، و لم يكن يبخل علينا والدينا بالسفر نحو الضفة الأخرى حيث زرنا إسبانيا و شاهدنا حضارة الأندلس و تحسرنا على فقدانها، أما في فرنسا و داخل متحف لوڤر كم من مآثر سرقت و بقيت شاهدا على حضارات وجدت في التاريخ..
و أنا أستعد لاجتياز امتحان الباكالوريا وقع ما لم يكن في الحسبان، توفي صديق لي كنا نلعب لعبة و تصادف أن سقط أرضا و أصيب بجلطة أدخلته الإنعاش و توفي بعد أسبوع، فتغيرت أحوالي، فأصبحت معتقلا و حوكمت بعشرين سنة، كنت بداية أفكر في وضع حد لحياتي بالانتحار، و لكن أحد السجناء ساقه القدر لي ليغير تلك الأفكار من السوداوية إلى فتح باب الأمل أمامي، تابعت دراستي و حصلت على شهادات عليا و دبلومات مهنية منها الحلاقة، و كنا مجموعة من السجناء الطلبة نساهم في أنشطة ابتكرناها خدمة للسجناء للتخفيف من همومهم و أحمالهم و التي كانت تنغص عليهم حياتهم اليومية المملة.
كنت أساعد في المطبخ و في الحلاقة و في تمارين الرياضة و كنا نحافظ على صلواتنا، مما جعل حينا حيا نموذجيا حيا يضرب به المثال، و بعد مضي اثني عشر سنة من سجني ذات عيد جاء الفرج، متعت بعفو غير أيضا حياتي رأسا على عقب، بعد خروجي من السجن و محاولة التأقلم تقدمت بملفي لجامعة قريبة قصد الظفر بوظيفة أستاذ جامعي في مادة علم الاجتماع، و من حسن حظي كانت لي نقاط جد مشرفة فتم قبولي، وولجت الجامعة بمعنويات عالية.
و تزوجت بأستاذة زميلة لي في العمل، و كان لي نذر أيام السجن تأسيس جمعية تعنى بالسجين كنا وضعنا مجموعة من السجناء تصورا لها، فالتقينا خارج أسوار السجن و بعد أن استقرت أوضاعنا بدأنا في تنزيل ما كان تصورا، و ربطنا اتصالات مع مجموعة من المؤسسات الإصلاحية لإعادة الإدماج، فقمنا بمجموعة من الأنشطة الترفيهية و التأهيلية و حاضر من زملائي من قدموا للسجناء تجاربهم و هاهم الآن أطرا لم يهزمهم اليأس بل حولوا محنة السجن لمنحة و درسوا و تعلموا و حصلوا على شواهد عليا أهلتهم لما هم فيه..
و حتى لا أنسى نجاحاتنا كانت بفضل مدراء كانوا يمدون لنا يد المساعدة و سهلوا لنا سبل التحصيل بتوفير قاعات للدراسة و مكتبات غنية بالكتب و تسهيل وصول المراجع من طرف أسرنا، و عملنا على تعميم الفكرة و هي الآن تتحق عبر مدن كثيرة، و كان لنا شعار نحن الزملاء الذي جمعنا السجن: “أنا السجين المحظوظ”، و بالفعل تحققت أحلامنا و أردنا زكاة لذلك أن تعم الفكرة، ليصبح السجن منحة عوض محنة فيرتاح السجين و ترتاح الأسرة و يسهل عمل المؤسسة الإصلاحية.




