داني الأمين- بيروت
بعد ستة أسابيع من الحرب الإسرائيلية على لبنان، وإعلان الولايات المتحدة وقفًا لإطلاق النار، قبل أن تنشر وزارة خارجيتها في اليوم التالي نص اتفاق قالت إنه يعكس ما تم التوافق عليه بين الجانبين.
في المقابل، غاب أي موقف رسمي لبناني؛ لا تأكيد ولا نفي، لا تبنٍّ ولا اعتراض. صمت بعبدا والسراي لم يبدُ كحياد، بقدر ما عكس عجزًا عن مواكبة مسار يُصاغ خارج الحدود ويُطلب من الداخل التكيّف معه.
هذا الغياب يفتح أسئلة سيادية مباشرة: هل اطّلع المسؤولون على تفاصيل الاتفاق؟ وإن اطّلعوا، لماذا لم يُخاطبوا اللبنانيين؟ وإن لم يفعلوا، فالمسألة تتجاوز الإرباك إلى خلل بنيوي، حيث تصبح قرارات الحرب والسلم خارج إطار الدولة الفعلي.
ميدانيًا، التزمت المقاومة بوقف إطلاق النار كما أُعلن، وسعت إلى احتواء تداعياته عبر الطلب من الأهالي التريث وعدم العودة الى الجنوب والضاحية ومن عاد منهم طُلب اليهم عدم المكوث في القرى بعد الإطمئنان على بيوتهم وأرزاقهم.
في المقابل، صدرت مواقف واضحة من قيادة المقاومة تؤكد أن ما بعد الثاني من آذار/مارس ليس كما قبله، وأن استمرار الخروقات لن يُقابل بصمت، ولن تقبل عودة الاغتيالات الإسرائيلية والقصف المتواصل كمان حصل في العام 2024 ما يضع الهدنة ضمن معادلة مشروطة لا ضمن استقرار مُكرّس.
على الأرض، تسير الوقائع في اتجاه مغاير. خروقات جوية وبرية متواصلة، توغلات في مناطق عجزت القوات الإسرائيلية عن دخولها خلال أسابيع القتال، وعمليات نسف وتجريف طالت قرى وطرقًا وبساتين.
ورغم ذلك، فإن الأهداف التي اعلنتها اسرائيل للحرب من سحق المقاومة إلى احتلال كامل منطقة جنوب الليطاني وفرض واقع عسكري جديد لم تتحقق وفق مسار العمليات بفعل المقاومة الشرسة والمواجهات البطولية التي حصلت وادت الى مقتل واصابة المئات من جنود العدو وتدمير عشرات الدبابات والآليات اضافة الى العديد من المسيّرات وطائرات الاستطلاع الحديثة، ما يعزز فرضية السعي إلى فرض وقائع تدريجية تحت سقف “الهدنة”.
ردّ الفعل الدولي بقي محدودًا، بما يوحي بالتعامل مع هذه الخروقات كأمر واقع قابل للاحتواء لاحقًا ضمن تسويات أوسع. في هذا السياق، لا تبدو الهدنة نهاية مسار بقدر ما هي محطة ضمن إعادة ترتيب موازين القوى.
تداعيات ما يجري تتجاوز البعد العسكري. فالتدمير الذي طال البنية السكنية والزراعية يضع عشرات آلاف العائلات أمام واقع اقتصادي قاسٍ، مع تضرر مصادر الرزق وضرب مواسم كاملة، بما قد يدفع نحو نزوح طويل الأمد. هنا يتداخل الأمني بالاجتماعي، ويتحوّل السؤال إلى ما إذا كان الجنوب يواجه فقط تصعيدًا عسكريًا أم مسارًا يعيد تشكيل واقعه تدريجيًا.
في الداخل، لا يظهر تحرك رسمي بمستوى هذه التطورات. لا ضغط دبلوماسي فعلي، ولا خطاب واضح يضع الرأي العام أمام حقيقة ما يجري. بل إن كلمة رئيس الجمهورية الأخيرة أثارت مزيدًا من الجدل، بعدما توجّه بالشكر إلى «صديقه» الرئيس الأميركي دونالد ترامب على “جهوده في إنقاذ لبنان”، من دون توضيح سياق هذا التوصيف وحدوده.
داخليًا أيضًا، يتقاطع ذلك مع محاولات إعادة ترتيب التوازنات، ومع خطاب يسعى إلى تأجيج التوترات المذهبية، ولا سيما على الساحة السنية–الشيعية، بما يخدم حسابات ضيقة. في ظل هذا الهشاش، يصبح أي تصعيد خارجي مرشحًا للتحول إلى عامل تفجير داخلي.
ضمن هذا الإطار، تكتسب حركة الاتصالات السياسية، ومنها زيارة المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري إلى السعودية، دلالات تتجاوز البروتوكول، باتجاه محاولة ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق، وتحصين الساحة الداخلية بعد الإنقسام الحاد الذي حصل اثناء الحرب من قرارات حكومية مشبوهة بحق المقاومة مثل اتهامها بأنها “خارجة عن القانون” وما رشح عن تلك اللقاءات في الرياض انها تناولت تطبيق ما تبقى من اتفاق الطائف بكافة بنوده، وامكانية استبدال الحكومة بحكومة وحدة وطنية يبدو ان لبنان بحاجة ماسة لها في هذه الظروف.
إقليميًا، يتجاوز المشهد الحدود اللبنانية. فالمفاوضات المباشرة الجارية بين إيران والولايات المتحدة في باكستان تضع المنطقة بأكملها على حافة مسار تفاوضي حساس، تتوقف عليه توازنات أوسع من ساحة واحدة. في مثل هذا السياق، تبدو الساحات الطرفية، ومنها لبنان، أكثر عرضة لأن تكون أوراق ضغط أو ساحات اختبار، لا أطرافًا مقرِّرة.
ضمن هذه المعادلة، يبرز واقع لبناني أكثر إشكالية، دولة ضعيفة سياسيًا، وانقسام داخلي يحدّ من قدرتها على التفاوض، سواء مباشرة مع إسرائيل والذي يرفضه جزء كبير من اللبنانيين إضافة الى بعض المعلومات التي تقول ان السعودية ومصر نصحتا عون بالتروي في مسار المفاوضات، اي التقدم بحذر ومن دون استعجال الى جانب السعي للحصول على دعم عربي أوسع ما يعني عدم الوقوع في فخ المفاوضات واعادة انتاج واقع مثل الواقع السوري الذي نشأ عند مفاوضته الإسرائيلي وحصل ما حصل في سوريا.
فغياب موقف رسمي موحّد، وتباين الرؤى داخليًا حول دور المقاومة وخيارات المواجهة، ينعكسان مباشرة على هامش الحركة السياسي.
وفي ظل هذا الواقع، تتعزز الانطباعات بأن القرار اللبناني لا يُصاغ بالكامل من الداخل، بل يتأثر بدرجات متفاوتة بإرادات خارجية وبتركيبة حكم لا تمتلك فائض قوة تفاوضية.
في المحصلة، لا يبدو لبنان اليوم طرفًا فاعلًا في معادلة تُرسم ملامحها من حوله. بين هدنة تُعلن من الخارج، ووقائع تُفرض في الميدان، ومفاوضات إقليمية ترسم سقوف المرحلة المقبلة، يبقى السؤال الأساسي: هل يستطيع استعادة موقعه كصاحب قرار، أم يكتفي بالتكيّف مع قرارات تُتخذ باسمه؟




