آراءمجتمع
أخر الأخبار

المجتمع.. ضحية الدولة “تحليل”

علي بك الكبير كان النموذج الذي أعاد محمد علي باشا بناءه في العقد الرابع من القرن التاسع عشر مع فارق حاسم، علي بك الكبير جاء من قلب العُصَب المملوكية، فاستعان به ثم حصل له منها ما اعتادت عليه، وهو الخيانة والغدر وشق الصف والاقتتال الداخلي، فانتهى وانتهى مشروعه العظيم في سنوات معدودة 1768 – 1773

المجتمع المصري الحديث حالة إنسانية تدعو للشفقة والرثاء، بدأت بوادرُهُ الأولى في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، عندما وصلت السيادة العثمانية ومعها الحكم المملوكي إلى درجة عالية من الوهن، بحيث ضعفت قبضة السلطة على المجتمع المصري، فأخذ يلتقط الأنفاس ويرفع الرأس، ويجد له مواضع قدم ويتحرك في هامش مناورة، يلاعب به السلطة ويلعب معها، فيضغط عليها أو يفاوضها، وهو في مأمن من عنفها ومكرها التقليديين.

كانت هذه هي الطلة الأولى لمجتمع مصري حديث، أي مجتمع لا يولد ويعيش ويموت وهو يوقن في بطن أمه، ثم في بطن الأيام ثم في بطن القبر، أن السلطة قَدّرٌ محتوم مفروض لا يملك إزاءها حقاً ولا يرفع في وجهها رأساً ولا يهمس بصوت مسموع سواء في حضورها أو من وراء ظهرها. في ذاك النصف الأخير من القرن الثامن عشر استهزأ مملوك ذكي، هو علي بك الكبير بالسلطنة العثمانية المريضة، فطرد الولاة الذين ترسلهم واستقل بحكم مصر، ثم بنى في سنوات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة إمبراطورية، تشمل مصر والشام وشرق المتوسط والحجاز واليمن والبحر الأحمر.

علي بك الكبير كان النموذج الذي أعاد محمد علي باشا بناءه في العقد الرابع من القرن التاسع عشر مع فارق حاسم، علي بك الكبير جاء من قلب العُصَب المملوكية، فاستعان به ثم حصل له منها ما اعتادت عليه، وهو الخيانة والغدر وشق الصف والاقتتال الداخلي، فانتهى وانتهى مشروعه العظيم في سنوات معدودة 1768 – 1773، أما محمد علي باشا فقد جاء من خارج المؤسسة المملوكية، وكان بالنسبة لها دخيلاً وطارئاً، وكانوا هم بالنسبة له خصوماً ومنافسين وأعداءً، يلزم تحين الفرصة لسحقهم والتخلص من خطورتهم على طموحه في الاستئثار بحكم مصر.

قتل المماليك كان ضرورة تاريخية لا محيص عنها، سواء قتلهم محمد علي باشا أو قتلهم سواه، كانوا يمثلون ثقافة القرن الثالث عشر في مطلع القرن التاسع عشر، كانوا جزءًا أصيلاً من عقلية العصور الوسيطة بخطريها الأكبرين اللذين كانا التبرير التاريخي لشرعية المماليك: الخطر الصليبي، وكان فضل المماليك في مواجهته عظيماً، ثم خطر المغول، وكان المماليك أفضل من يصد ويردع.

لكن في مطلع القرن التاسع عشر، وبعد هزيمة المماليك أمام غزوة نابليون، بات المماليك استعارة قديمة من زمن قديم لا معنى لبقائها ولا جدوى من الاحتفاظ بها، بل يلزم التخلص منها دون إبطاء.

عندما اندفع محمد علي باشا لذبح آخر أجيال المماليك، لم يكن فقط يستجيب لغريزته السياسية، ولم يكن فقط يؤمن نفسه من خصوم ومنافسين لا يأمن شرهم ومكرهم ولكنه- قبل ذلك وبعده- كان يد التاريخ ومشيئته وكلمته وحكمته التي قضت أن عصر المماليك طال أكثر مما ينبغي، وأن مصر لم تعد تحتمل بقاءهم، وأنه يلزم وضع نهاية حاسمة أكيدة لهم كطبقة حكم ومدرسة إدارة وتنظيم وسياسة.

يدُ التاريخ عندما تمنح الدور أو تسلبه قد تبدو للناظر قوة عمياء، لكنها في الحقيقة قوة مبصرة حكيمة عادلة، فهي من دفعت بالمماليك للسيادة عقب سقوط الخلافة الأيوبية ومن قبلها الفاطمية، ومن بعدها العباسية، كان المماليك عند مطالع القرن الثالث عشر هم المستقبل الفوار الجبار، لكنهم عند مطلع القرن التاسع عشر باتوا عبئاً على التاريخ عبئاً على المستقبل، وكان الباشا بغرائزه الاستعمارية الجبارة هو نداء اللحظة في مواجهة الزحف الاستعماري الأوروبي، لعب مع أوروبا لمصلحته، ولعب معها لمصلحتها، تبادل معها المصالح، لكنه كان يطوي صدره على فهم غريزي عميق لمطامعها وخطورتها، ظل يناورها ويبعد خطرها عنه، حتى وقفت له وجهاً لوجه مرتين: الأولى عندما احتلت قواتُه اليونان 1827، فقررت أوروبا أن تجتمع عليه وتحشد أساطيلها لتحطيم قوته البحرية.

والمرة الثانية بعد احتلال الشام والأناضول وانفتاح الطريق أمام قواته إلى إسطنبول ذاتها 1840- 1841، وهنا قررت أوروبا تحطيمه كشخص وكمشروع، بحيث لا يتكرر مثله في الشرق العربي أبداً.

جاء الباشا إلى حكم مصر، وهي ذات عقل مملوكي، ينتمي للعصور الوسيطة في كل شيء: في الحكم، في الإدارة، في الاقتصاد، في الصناعة، في الزراعة، في الري، في التعليم، في الصحة والعلاج، إلخ.

المجتمع ذاته كان مجتمعاً مملوكيا بالثقافة والدين والتقاليد والتجارة والصناعات اليدوية والري الموروث من العصور الفرعونية والبطلمية والرومانية. بدأ الباشا بامتلاك كافة أدوات القوة والسلطة، نموذج للسيطرة المركزية المحكمة، نموذج للقبضة الشمولية المطلقة، سحق كل قديم سواء المماليك أو الفرق العثمانية التي كان هو قائداً لواحدة منها، كما سحق نموذج الإدارة العثمانية، فعل كل ذلك وهو ليس أكثر من والٍ عثماني عصمته ليست في يده، بل في يد السلطان الذي يتحكم فيه من خلال تجديد فرمان ولايته سنةً بسنة.

المجتمع المصري في ذلك الوقت، كانت منه أقلية من العلماء والتجار وقادة الطوائف المهنية، هذه الأقلية شهدت ازدهاراً في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ثم تبلورت ملامحها في مواجهة الغزوة الفرنسية، ثم نضجت بما يكفي لتقرر رفض الولاة الذين يرسلهم السلطان العثماني، وبدلاً من ذلك قررت ممارسة حق الأمة في اختيار حكامها وحق الأمة في رفض الحاكم الظالم، وكذلك حق الأمة في اشتراط العدل والمساواة واحترام الرعية في الحاكم الجديد.

المجتمع المصري عبر هذه الأقلية الحضرية الناضجة كان أسبق من الدولة وأنضج منها، لكن الباشا الذي اختارته هذه الأقلية قرر التخلص منها إلى الأبد، وكأنها لا وجود لها، اختار الباشا أن يحكم دون أدنى معارضة متبلورة منظمة، اختار أن تكون الدولة الحديثة هي كل شيء، بما في ذلك أن الدولة الحديثة  لن تكون دولة حديثة، إلا إذا تمكنت من احتواء الشعب ثم قمعه ثم قهره ثم إخضاعه خضوعاً كاملاً في دولاب الدولة الحديثة التي هي- بالضرورة- أداة جبارة في يد حاكم فرد مطلق يبني مؤسسات ضبط وربط وتحكم تسيطر على الدولة ثم الدولة تسيطر على الشعب، ثم الشعب يكون أداة في تنفيذ مشاريع الحاكم الفرد بغض النظر عما إذا كانت تتوافق مع مصالح الشعب أو تتناقض معها.

ثم هذه الدولة الحديثة اهتدت إلى اختراع شعار الوطنية كغطاء مقدس لما تمارسه من تضحية بالشعب وراحته وسعادته في سبيل طموحات الحكام، سواء كانت مجدية للشعب أم ضارة به.

التراث السياسي لحقبة التأسيس في النصف الأول من القرن التاسع عشر يمكن تلخيصه في: الدولة فوق الشعب، وهذا هو موضوع مقالنا المقبل بمشيئة الله تعالى.

https://anbaaexpress.ma/ut9lc

أنور الهواري

صحافي وكاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى