تشهد الأوساط السياسية والعسكرية في إسبانيا نقاشاً متصاعداً حول مستقبل مدينتي سبتة ومليلية، في ظل ما يُنظر إليه كتحولات متسارعة في طبيعة العلاقة مع المغرب، وتنامي التحديات المرتبطة بالحدود والهجرة والبنى التحتية الحيوية، ما دفع دوائر القرار إلى إعادة تقييم مقارباتها الدفاعية والإدارية تجاه هذين الثغرين.
ووفق تقرير نشرته صحيفة La Razón، فإن هذا القلق لا ينبع من ظرفية آنية، بل يرتبط بسياق تاريخي مركب ظل يطبع العلاقات بين الرباط ومدريد، بدءاً من التنافس الاستعماري في شمال إفريقيا، مروراً بمرحلة الحماية الإسبانية في منطقة الريف، ووصولاً إلى محطات بارزة مثل معركة أنوال، التي شكلت لحظة فاصلة في الوعي العسكري الإسباني، ثم تطورات ملف الصحراء سنة 1975، باعتبارها آخر مواجهة مباشرة ذات طابع استراتيجي بين الطرفين.
غير أن التحولات الراهنة، بحسب التقرير، لم تعد تأخذ شكل المواجهة التقليدية، بل تتجلى في أدوات ضغط غير مباشرة، من بينها إغلاق الحدود بشكل أحادي خلال فترات سابقة، وتزايد تدفقات الهجرة غير النظامية نحو المدينتين، وهي عناصر تُفسَّر داخل بعض الدوائر الإسبانية باعتبارها اختبارات مستمرة لقدرة الدولة على إدارة الأزمات في مناطق ذات حساسية جيوسياسية عالية.
وفي هذا الإطار، يبرز توجه داخل المؤسسة العسكرية الإسبانية لإعادة صياغة مفهوم الأمن المرتبط بالثغرين، حيث أصدرت وزارة الدفاع ما يُعرف بـ”دفتر الاستراتيجية 234″، وهي وثيقة تركز على الأهمية المتزايدة للموانئ ضمن منظومة الأمن القومي.
وتؤكد الوثيقة أن المرافق المينائية لم تعد مجرد نقاط عبور تجارية، بل تحولت إلى عقد استراتيجية تتحكم في استمرارية النشاط الاقتصادي وضمان الإمدادات في حالات الطوارئ.
ويولي التقرير اهتماماً خاصاً لموانئ سبتة ومليلية، باعتبارهما شريانين حيويين لربط المدينتين بالبر الرئيسي الإسباني، لكنه يشير في المقابل إلى وجود اختلالات بنيوية، أبرزها العزلة الجغرافية، وضعف الترابط اللوجستي، واحتمالات التعرض لضغوط في حال تصاعد الأزمات، إلى جانب تحديات مرتبطة بتعدد المتدخلين وضعف التنسيق المؤسسي.
ومن بين أبرز مصادر القلق التي يسلط عليها التقرير الضوء، ملف الهجرة غير النظامية، الذي يُنظر إليه في بعض التقديرات كأداة ضغط محتملة ضمن تفاعلات أوسع بين الرباط ومدريد، وهو ما يعزز الحاجة إلى تطوير آليات استجابة أكثر مرونة وفعالية، خاصة في ما يتعلق بإدارة الحدود وضمان جاهزية البنيات التحتية.
وفي ضوء هذا التشخيص، يدعو التقرير إلى تبني مقاربة شاملة لتعزيز صمود المدينتين، تقوم على دمج الأبعاد الدفاعية والدبلوماسية والاقتصادية ضمن استراتيجية وطنية خاصة بالمناطق الحدودية.
كما يقترح إدماج سبتة ومليلية بشكل إلزامي في برامج الاستثمار والابتكار والأمن السيبراني، بما يرفع من قدرتهما على التكيف مع التحولات المتسارعة في البيئة الإقليمية والدولية.
ولا تقتصر التوصيات على الجانب الداخلي، إذ يشدد التقرير على أهمية إشراك المدينتين في النقاشات الدولية المرتبطة بأمن الملاحة البحرية وحماية البنى التحتية الاستراتيجية، بما يتيح لهما الاستفادة من الخبرات العالمية وتعزيز حضورهما في المنتديات متعددة الأطراف.
كما يبرز التقرير البعد المجتمعي كعنصر حاسم في معادلة الاستقرار، معتبراً أن تعزيز ثقة السكان المحليين وإشراكهم في مسارات التنمية يشكل ركيزة أساسية في مواجهة التحديات الخارجية، خاصة في ظل هشاشة بعض المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية.
ويعيد التقرير التذكير بمحطات توتر سابقة، مثل أزمة جزيرة ليلى وموجات الهجرة الجماعية نحو سبتة، باعتبارها نماذج على قابلية الوضع للتصعيد، ما يستدعي اعتماد مقاربة استباقية قائمة على اليقظة المستمرة وتعزيز أدوات الردع.
وفي ختام تقييمه، يقترح التقرير مراجعة الإطار الإداري للمدينتين، عبر منحهما وضعاً خاصاً تحت إشراف مباشر من رئاسة الحكومة الإسبانية، بهدف تسريع اتخاذ القرار وتحسين التنسيق بين مختلف الفاعلين، بما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها سبتة ومليلية في معادلة الأمن القومي الإسباني.




