في خضم الأرقام والمؤشرات التي قدمها رئيس الحكومة عزيز أخنوش، خلال جلسة عمومية مشتركة لمجلسي البرلمان خُصصت لعرض الحصيلة الحكومية يوم أمس الأربعاء، يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام حصيلة ظرفية لحكومة بعينها، أم أمام مسار دولة يراكم بهدوء نحو التحول؟
الجواب، في العمق، يتجاوز منطق “الولاية الحكومية” إلى منطق استمرارية الدولة. فما تحقق اليوم، سواء في البنيات التحتية أو في الأوراش الاجتماعية، ليس وليد لحظة سياسية معزولة، بل هو امتداد لمسار إصلاحي انطلق منذ سنوات، وتواصل عبر حكومات متعاقبة، تحت سقف رؤية ملكية استراتيجية يقودها جلالة الملك محمد السادس.
تطوير البنيات التحتية، من الصناعة إلى الماء، ومن الصحة إلى التعليم، لم يكن مجرد خيار تقني، بل كان دائمًا جزءًا من تصور شامل يجعل من المغرب منصة إقليمية صاعدة.
نفس الأمر ينطبق على ورش الحماية الاجتماعية، الذي بلغ اليوم مرحلة غير مسبوقة بتعميم الدعم المباشر والتغطية الصحية، لكنه في جوهره استكمال لمسار إصلاحي تراكمي.
وهنا تكمن خصوصية “النموذج المغربي”: الاستمرارية مع التدرج.
حكومات تتغير، أولويات تتكيف، لكن البوصلة تبقى ثابتة. فالمشاريع الكبرى التي نراها اليوم، من الأمن المائي إلى التحول الرقمي، هي في الأصل مشاريع ملكية استراتيجية، تجد في العمل الحكومي آلية للتنزيل والتسريع.
غير أن التحدي الحقيقي لم يعد في إطلاق الأوراش، بل في تحقيق الأثر الملموس: هل يشعر المواطن فعلاً بتحسن في جودة الخدمات؟ هل تنعكس هذه الاستثمارات على فرص الشغل والعدالة المجالية؟ وهل يستطيع المغرب الحفاظ على هذا الإيقاع في ظل التحولات الدولية؟
المغرب اليوم يقف عند مفترق مهم: لقد انتقل من مرحلة بناء الأسس إلى مرحلة جني الثمار. وبين الاستمرارية والإقلاع، يبقى الرهان الأكبر هو تحويل هذا التراكم إلى نقلة نوعية مستدامة تكرس موقع المملكة كقوة إقليمية صاعدة، ليس فقط بالأرقام، بل بالفعل اليومي في حياة المواطنين.
وفي هذا السياق، يبدو واضحاً أن سقف الانتظارات قد ارتفع بشكل غير مسبوق مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث لم يعد الرهان فقط على تدبير المرحلة، بل على من يمتلك القدرة والكفاءة لمواصلة هذا المسار واستكمال البناء.
فالمغرب اليوم دخل مرحلة دقيقة تتطلب نفساً إصلاحياً مستمراً وقيادة قادرة على تحويل التراكم إلى إقلاع فعلي، خاصة في ظل انخراط المملكة في مشاريع كبرى واستحقاقات دولية وازنة، على رأسها تنظيم كأس العالم 2030.
وبين منطق الاستمرارية وضرورة التجديد، يبقى التحدي الأكبر هو اختيار من يستطيع الحفاظ على هذا الزخم، وضمان تنزيل الرؤية الملكية بنفس النجاعة، حتى يواصل المغرب ترسيخ موقعه كقوة صاعدة بثبات وثقة.




