تشهد الساحة السياسية في إسبانيا تحولات متسارعة، مع بروز حزب فوكس كفاعل مؤثر في موازين القوى، خصوصاً في علاقته مع الحزب الشعبي، في سياق يعكس تنامياً ملحوظاً لخطاب اليمين المتشدد داخل المشهد الحزبي.
وفي هذا الإطار، شكل الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الحزبين لتقاسم مراكز القرار في رئاسة منطقة إكستريمادورا مؤشراً واضحاً على حجم النفوذ الذي بات يتمتع به حزب فوكس، بعدما نجح في فرض شروطه مقابل دعمه لمرشحة الحزب الشعبي لتولي رئاسة الحكومة الجهوية.
ومن أبرز ما تضمنه هذا الاتفاق إدراج مبدأ “الأولوية الوطنية”، الذي يشكل أحد المرتكزات الإيديولوجية لخطاب فوكس، حيث نصت بنوده على اعتماد نظام خاص للاستفادة من السكن الاجتماعي وبرامج الإيجار المدعوم، يقوم على منح الأفضلية للأشخاص الذين يثبت ارتباطهم الدائم بالإقليم.
ويشمل ذلك، بالأساس، شرط التسجيل كمقيم في المنطقة لفترة لا تقل عن عشر سنوات للاستفادة من السكن، وخمس سنوات بالنسبة للإيجار، إضافة إلى معايير أخرى ترتبط بالوضع المهني أو الروابط العائلية داخل الإقليم.
ولا يقتصر تطبيق هذا المبدأ على قطاع السكن فقط، بل يمتد ليشمل مختلف أشكال الدعم العمومي، من منح وتعويضات اجتماعية، مع اعتماد نفس معايير “الارتباط الإقليمي” كشرط للاستفادة.
ورغم أن النص لا يتضمن إشارات مباشرة إلى الأجانب، إلا أن طبيعته تفتح الباب أمام تأويلات تعتبره موجهاً بشكل غير مباشر للحد من استفادة المهاجرين.
على المستوى الوطني، يعكس هذا الاتفاق نمطاً متكرراً في علاقة الحزبين، حيث يربط حزب فوكس دعمه للحزب الشعبي بتبني سياسات أكثر تشدداً، خاصة في ما يتعلق بملف الهجرة. وتشمل هذه التوجهات تقليص المساعدات الاجتماعية الموجهة للمهاجرين، ورفض استقبال القاصرين غير المصحوبين بذويهم، إلى جانب مواقف مثيرة للجدل من برامج تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية، التي تم تعليق بعضها بالفعل منذ انطلاق الموسم الدراسي 2025-2026 في عدد من المناطق، من بينها مدريد ومرسية.
هذا التطور أعاد إشعال الجدل السياسي داخل مؤسسات الدولة، حيث شهد البرلمان الإسباني نقاشاً حاداً حول تداعيات هذا الاتفاق. وفي هذا السياق، انتقد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز هذه السياسات، واصفاً إياها بأنها تحمل طابعاً “تمييزياً” و”غير إنساني”، في حين رد زعيم الحزب الشعبي ألبرتو نونيز فيخو باتهام الحكومة بالفشل في تدبير الملفات الكبرى، معتبراً أن الانتقادات تأتي في سياق أزمة ثقة أعمق.
وتكشف هذه التطورات عن تحول تدريجي في تموقع الحزب الشعبي، الذي يجد نفسه مضطراً للتكيف مع شروط حليفه اليميني من أجل الحفاظ على حضوره في مراكز القرار، وهو ما يمنح حزب فوكس نفوذاً يتجاوز حجمه الانتخابي، ويمتد إلى التأثير في صياغة السياسات العمومية.
وفي سياق موازٍ، صعّد حزب فوكس من تحركاته على المستوى التشريعي، حيث تقدم بمقترح قانون غير ملزم أمام البرلمان يدعو إلى تكريس مبدأ “الأولوية الوطنية”، في خطوة تهدف إلى توسيع النقاش حول هذا التوجه ودفع باقي الفاعلين السياسيين إلى التفاعل معه.
في المجمل، تعكس تجربة إكستريمادورا ملامح مرحلة سياسية جديدة في إسبانيا، تتسم بتقارب تكتيكي بين اليمين التقليدي واليمين المتطرف، في ظل صعود خطاب الهوية والسيادة، وهو مسار قد تكون له تداعيات أوسع على المستوى الوطني، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتزايد الاستقطاب داخل المشهد السياسي.




