في لحظة مهمة من التاريخ العربي ، يطفو سؤال حارق ، هل كان لضبط النفس العربي، في خضمّ التصعيد الإيراني الأمريكي – الاسرائيلي، أثرٌ يتجاوز النجاة المؤقتة إلى إعادة تشكيل الإرادة السياسية العربية؟ وهل يمكن قراءة هذا السلوك بوصفه بداية انفكاكٍ هادئٍ من عباءة التبعية، أم أنّه مجرّد مناورةٍ تكتيكيةٍ داخل الإطار ذاته؟
لقد مثّلت الهدنة الإيرانية الأمريكية – الاسرائلية ، بما حملته من رسائل تهدئةٍ وإعادة تموضع، لحظة اختبارٍ حقيقيةٍ للفاعلين الإقليميين، وعلى رأسهم الدول العربية التي طالما وُضعت في قلب الاستقطاب، أو على هامشه بوصفها ساحةً لا لاعبًا.
غير أنّ ما بدا لافتًا في هذا السياق هو ذلك الميل الواضح نحو التهدئة، وتجنّب الانخراط المباشر في صراعٍ لا يملك العرب أدوات حسمه، ولا تتحمّل جغرافيتهم كلفة اشتعاله.
إنّ سياسة ضبط النفس، في بعدها الظاهر، قد تبدو حيادًا سلبيًا، أو تردّدًا في اتخاذ المواقف، غير أنّ القراءة الأعمق تكشف عن تحوّلٍ في الوعي الاستراتيجي العربي، حيث لم يعد الاصطفاف التلقائي مع القوى الكبرى خيارًا بديهيًا كما كان في العقود الماضية.
لقد أدركت العديد من العواصم العربية أنّ الانخراط في صراعات الآخرين لا يُنتج أمنًا، بل يُراكم هشاشةً مركّبة، وأنّ الحفاظ على الاستقرار الداخلي، مهما بدا ثمنه سياسيًا، يظلّ أولويةً لا يمكن المقامرة بها.
في هذا السياق، يمكن القول إنّ ضبط النفس لم يكن مجرّد امتناعٍ عن الفعل، بل كان فعلًا بحدّ ذاته؛ فعلًا يعيد تعريف المصالح الوطنية خارج الإملاءات الخارجية، ويؤسّس تدريجيًا لنمطٍ جديدٍ من السلوك السياسي، قائمٍ على التوازن لا التبعية، وعلى البراغماتية لا الأيديولوجيا.
فالدول التي امتنعت عن الانخراط العسكري أو التصعيد الإعلامي، إنّما كانت ترسم حدودًا جديدةً لدورها، وتعلن، ولو بصمتٍ، أنّها ليست مجرّد أدواتٍ في صراع الآخرين.
غير أنّ السؤال الأكثر تعقيدًا يكمن في مدى عمق هذا التحوّل. فهل نحن أمام استقلالٍ حقيقيٍّ في القرار العربي، أم أنّ الأمر لا يعدو كونه إعادة تموضعٍ داخل شبكة التحالفات ذاتها؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال تقتضي النظر إلى جملةٍ من المؤشرات، من بينها تنويع الشراكات الدولية، والانفتاح على قوى صاعدة، وتبنّي سياساتٍ خارجيةٍ أكثر استقلاليةً في القضايا الإقليمية.
لقد شهدنا، خلال السنوات الأخيرة، محاولاتٍ عربيةً لإعادة صياغة العلاقات الدولية على أسسٍ أكثر توازنًا، حيث لم تعد الولايات المتحدة الشريك الأوحد أو المرجعية المطلقة، بل أصبحت واحدةً من بين عدة أطرافٍ يتم التعامل معها وفق منطق المصالح المتبادلة.
كما أنّ الانفتاح على قوى كالصين وروسيا، والسعي إلى بناء شراكاتٍ اقتصاديةٍ وأمنيةٍ متعددة الأطراف، يعكس رغبةً في التحرّر من الأحادية القطبية، وإن لم يصل بعد إلى مستوى القطيعة أو الاستقلال الكامل.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال أنّ البنية العميقة للنظام الإقليمي العربي ما تزال تعاني من اختلالاتٍ بنيوية، تجعل من الاستقلال التامّ في القرار أمرًا معقّدًا.
فالتداخلات الأمنية، والاعتماد الاقتصادي، والضغوط السياسية، جميعها عوامل تُقيّد هامش الحركة، وتفرض على الدول العربية نوعًا من التوازن الدقيق بين الرغبة في الاستقلال، والحاجة إلى الحماية أو الدعم.
من هنا، يمكن النظر إلى سياسة ضبط النفس بوصفها خطوةً أولى في مسارٍ طويلٍ نحو إعادة تعريف الذات السياسية العربية. فهي ليست نهاية الطريق، بل بدايته؛ وليست إعلانًا صريحًا للاستقلال، بل تمهيدًا له.
إنّها أشبه بحركةٍ بطيئةٍ في عمق التاريخ، حيث تتغيّر الاتجاهات دون ضجيج، وتُعاد صياغة الأولويات بعيدًا عن أعين الخطاب التقليدي.
ولعلّ الأثر الإيجابي الأبرز لهذه السياسة يتمثّل في تقليص كلفة الصراع على الداخل العربي، والحفاظ على قدرٍ من الاستقرار في بيئةٍ إقليميةٍ شديدة الاضطراب. كما أنّها تفتح المجال أمام إعادة بناء المشروع العربي على أسسٍ أكثر واقعيةً، بعيدًا عن الشعارات الكبرى التي لم تجد طريقها إلى التحقّق.
في النهاية، لا يمكن الجزم بأنّ العرب قد خرجوا بالفعل من عباءة التبعية، لكن يمكن القول إنّهم بدأوا، على استحياء، في خلعها.
وربما تكون الهدنة الإيرانية الأمريكية – الاسرائلية، بكل ما تحمله من هشاشةٍ واحتمال انتكاس، قد منحتهم لحظةً نادرةً للتأمّل وإعادة الحسابات؛ لحظةً يمكن أن تتحوّل، إن أُحسن استثمارها، إلى نقطة انعطافٍ في مسارٍ طال انتظاره.
إنّه زمن التحوّلات الصامتة، حيث لا تُقاس الانتصارات بما يُعلن، بل بما يتغيّر في العمق. وفي هذا العمق، قد يكون ضبط النفس العربي، رغم كل ما يحيط به من شكوك، بذرةً لوعيٍ جديدٍ، يتشكّل ببطء، لكنه يحمل في طيّاته إمكانية الخروج من دائرة التبعية، نحو أفقٍ أكثر استقلالًا واتزانًا.




