لم أكن أتصور في يوم من الأيام أن يأتي يوم أُصدم فيه صدمة العمر كما يقال، صدمة تركت جروحًا في أعماق نفسي، صدمة لم تكن بالسهلة علي.
فتحت عيني على والديّ، غمرني حبهما وعطفهما وعنايتهما، عشت مدللًا لا يُرفض لي طلب، درست مرحلة الابتدائي، وحظيت بدراجة هوائية أتنقل وألهو بها بعد عودتي من المدرسة، أقراني كانوا يصطفون في جانب من الطريق ينتظرون التفاتة مني لعلهم يحظون بفرصة الركوب ولو لدقائق معدودات، ولما انتقلت للإعدادي أهداني والدي دراجة نارية من نوع رياضي، وأصبح لي أصدقاء جدد من طبقة مترفة، أصبحنا نرتاد أماكن أُعدت لأصحاب الدراجات، نقوم بمغامراتنا المتنوعة، ومن حولنا أولاد وبنات يتابعون تحركاتنا وحماقاتنا ولهونا، وكلهم أمل أن يتحقق حلمهم بالحصول على دراجة مثلنا، ولما التحقت بالمرحلة الثانوية أهداني والدي سيارة من نوع رياضي، وفرحت بما حُزت، وشكرت لهما صنيعهما، وقبلت أيديهما ورأسيهما كما كنت أفعل دائمًا حبًا وتقديرًا لهما.
لكن الذي كان يكدر صفو مزاجي هو بعض أعمامي وعماتي، لم يكونوا يبادلونني نفس حب والديّ، كلما اجتمعنا في مناسبة، وهي قليلة، إلا وأجد منهم غلظة وكلامًا جارحًا، فلما أسأل والديّ يكون جوابهما: إنها الغيرة يا ابني.
وتمضي الأيام والشهور والسنوات وأنا طالب في الجامعة، اشتد المرض على والدي ووالدتي معًا، ولم يمهلهما إلا شهورًا، فتوفي والدي، وبعد أسبوع التحقت به والدتي، وأنا في شدة الأزمة النفسية، وفي إحباط مما تركاه من فراغ في حياتي، حضر أعمامي مطالبين إياي بالبحث عن مكان يأويني، فلم أصدق ما يقولون بداية، ظننت ما تفوهوا به مجرد مزحة منهم، لكنها الحقيقة المرة.
والصدمة الكبرى حينما خاطبني أحدهم قائلًا: يا عبده، أنت ابن متبنى ولست ابن صلب، والمرحومان من كنت تظن أنهما والديك، فهما لم يُنجبا في حياتهما طفلًا واحدًا، وعليه فأنت إنسان غريب، ولا يحق لك أن تكون وارثًا ولا فردًا من العائلة الكبيرة والأسرة الصغيرة التي كنت تظن أنك منها وهي منك، ولم يترك شقيقنا ولا زوجته أية وصية نافذة بعد موتهما تجعلك وارثًا مثلنا.
فبمجرد سماعي ذلك الخبر الصاعقة، سقطت مغشيًا علي، وبعدها صمتّ عن الكلام والطعام ومخالطة الناس، وهزل جسدي، وكدت أن ألتحق بوالديّ لولا الألطاف الإلهية، جاءني صديق الطفولة، وأنعم الله عليه بنعمة الالتزام بالدين، وتحدث معي طويلًا عن الإيمان بالقضاء والقدر، فاطمأنت نفسي، وعدت لرشدي وصوابي بعد أن كنت فقدت الأمل في كل من حولي.
وأصبحت أفكر في إنهاء حياتي شنقًا منتحرًا، فآواني صديقي، وشاركني تجارته، وتزوجت، وأصبحت لي أسرة بعدما فقدت أغلى من كانا في حياتي في هذه الدنيا المتقلبة أحوال الناس فيها، رحمهما الله وغفر لهما، لو كانا أمّنا لي حياتي بعدهما بوصية تقيني سوء المنقلب، الذي هو التشرد والضياع، لولا الألطاف الإلهية والصديق الذي ساقه الله لي في أصعب مرحلة كنت أمرّ فيها.
فكنت في كل مرة أقول مع نفسي: “ليتني لم أعرف الحقيقة”.




