آراء
أخر الأخبار

الوطنية الفلسطينية.. بوصفها معيارًا أصيلًا للعداء مع الاحتلال

إنّ جوهر هذا الفهم يتمثل في رفض اختزال القضية الفلسطينية ضمن مشاريع إقليمية لم تكن، في معظم تجلياتها، منصفة لنضال الشعب الفلسطيني بقدر ما كانت حريصة على توظيفه..

د. منصور أبو كريم

في خضمّ التشابكات الإقليمية والاستقطابات السياسية التي أحاطت بالقضية الفلسطينية على مدار عقود، برزت مقاربات متعددة في تعريف العداء مع إسرائيل وتحديد دوافعه وحدوده. غير أنّ ثمّة منظورًا آخر يختلف في جوهره عن كثير من هذه المقاربات، منظورًا لا تحكمه حسابات المحاور، ولا تصوغه مصالح الاصطفاف الإقليمي، بل ينبع من وعي وطني خالص يضع فلسطين ومصلحتها العليا فوق كل اعتبار.

هذا المنظور لا يرى في العداء للاحتلال مجرد موقف سياسي عابر، ولا خطابًا تعبويًا يُستخدم في لحظات التنافس والمزايدة، وإنما يعدّه تعبيرًا طبيعيًا عن انحياز وطني وأخلاقي أصيل، يستند إلى إدراك عميق بأن الاحتلال يمثّل خطرًا مباشرًا على الوجود الوطني الفلسطيني، وعلى الكرامة والحقوق والمستقبل.

 إنّ جوهر هذا الفهم يتمثل في رفض اختزال القضية الفلسطينية ضمن مشاريع إقليمية لم تكن، في معظم تجلياتها، منصفة لنضال الشعب الفلسطيني بقدر ما كانت حريصة على توظيفه.

فكم من مرة تحولت فلسطين، في سياق النزاعات العربية والإقليمية، إلى ورقة تفاوض، أو أداة ضغط، أو عنوان للاستهلاك السياسي والإعلامي، من دون أن ينعكس ذلك إنصافًا حقيقيًا لحقوق الفلسطينيين أو دعمًا صادقًا لمشروعهم الوطني.

وفي مثل هذه الحالات، لم يعد العداء لإسرائيل نابعًا من التزام فعلي بقضية شعب تحت الاحتلال، بل من اعتبارات تتصل بتوازنات النفوذ، وصراعات الإقليم، وحسابات الأنظمة والقوى الباحثة عن أدوار ومكاسب.

 ومن هنا، يصبح من الضروري التمييز بين عداء وطني أصيل للاحتلال، وعداء آخر مصطنع أو مشروط، يرتبط بالأجندات الخارجية والتمويل السياسي. فالعداء الحقيقي لإسرائيل لا يُشترى بالمال السياسي، ولا تصنعه المنابر الإعلامية، ولا تحرّكه شهوة الحضور أو الرغبة في اقتناص المكاسب.

إنّه موقف يتأسس على قناعة راسخة بأن الاحتلال ليس مجرد خصم سياسي، بل هو بنية استعمارية تستهدف الأرض والإنسان والرواية والهوية. لذلك فإن مقاومته، في الوعي الوطني الفلسطيني، ليست وظيفة موسمية، ولا ورقة للمناورة، بل جزء من تعريف الذات الوطنية ومن الدفاع عن الحق التاريخي والسياسي والأخلاقي للشعب الفلسطيني.

 وقد كان التيار الوطني الفلسطيني، في مسيرته السياسية والفكرية، الأكثر تمسكًا بهذا التصور، والأشدّ حرصًا على تقديمه بوصفه الإطار الأوضح لفهم الصراع.

فمنذ تشكّل الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة، ظلّ هذا التيار ينظر إلى فلسطين باعتبارها البوصلة الأولى والأخيرة، والمرجعية التي لا تعلو عليها أية مرجعية أخرى.

ولذلك لم يرتهن للخطاب القومي على نحو يذيب الخصوصية الفلسطينية، رغم اعتزازه العميق بانتماء فلسطين إلى محيطها العربي، كما لم يذب في الأيديولوجيا الاشتراكية أو غيرها من الأطر الفكرية العابرة للحدود، وإن تقاطع معها في الدفاع عن العدالة الاجتماعية والحقوق الإنسانية.

لقد حافظ، في جوهره، على أولوية المشروع الوطني الفلسطيني بوصفه الإطار الجامع، وعلى المصلحة الوطنية باعتبارها المعيار الحاكم في تحديد المواقف والخيارات.

هذا التمسك بالوطني الفلسطيني لا يعني الانغلاق أو التنكر للعمق العربي والدولي للقضية، بل يعني وضع كل ذلك في سياقه الصحيح. ففلسطين ليست ملحقًا بمشروع إقليمي، ولا ساحةً لتصفية الحسابات، ولا مادة للاستثمار السياسي من أي طرف كان.

إنّها، قبل كل شيء، قضية شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال والتحرر الوطني، ويخوض نضاله من أجل استعادة أرضه وحقوقه وكرامته. ومن هنا، فإن أي مقاربة لا تنطلق من هذا الأساس، أو تحاول إخضاع القضية لحسابات الآخرين، إنما تبتعد عن جوهر النضال الفلسطيني وتُضعف قدرته على بناء مشروع وطني مستقل ومتماسك.

 إن الحاجة اليوم إلى إعادة الاعتبار لهذا المنظور الوطني الخالص تبدو أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، لا سيما في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات حادة، وما يتعرض له الوعي الفلسطيني من محاولات تشويش وإعادة توجيه.

فصون القضية الفلسطينية من التبعية، وحماية قرارها الوطني من الارتهان، وإبقاء العداء للاحتلال في إطاره الطبيعي بوصفه موقفًا تحرريًا وطنيًا، هي شروط أساسية للحفاظ على المعنى الحقيقي للنضال الفلسطيني.

وعندما تبقى فلسطين هي المرجعية العليا، وتبقى المصلحة الوطنية هي المعيار، يصبح العداء للاحتلال فعلًا صادقًا ومتجذرًا، لا شعارًا عابرًا، ولا أداة في يد الآخرين.

في النهاية، لا تُقاس صدقية المواقف من إسرائيل بارتفاع سقف الخطاب، ولا بكثرة الشعارات، بل بمدى اتصال هذه المواقف بالمشروع الوطني الفلسطيني وبمصالح الشعب الفلسطيني الفعلية. فالوطنية هنا ليست تفصيلًا في المعادلة، بل هي أصلها وشرطها الأول.

وكل عداء لا تصنعه الوطنية، ولا يوجّهه الوعي بمصلحة فلسطين، يظلّ ناقصًا، مهما بدا صاخبًا أو متشددًا. أما العداء المنبثق من الوطنية الفلسطينية الصافية، فهو وحده القادر على أن يبقى ثابتًا، أخلاقيًا، ومحصنًا من التوظيف، لأنه يصدر عن انتماء حقيقي إلى الأرض والحق والحرية.

* باحث فلسطيني في الشؤون السياسية

https://anbaaexpress.ma/r0mln

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى