آراءسياسة
أخر الأخبار

أوروبا والشرق الأوسط.. مسرح التوترات الكبرى “تحليل”

السؤال الأكبر، هل يمكن احتواء هذه الصراعات على المستوى الإقليمي، أم أن التاريخ سيعيد نفسه كما حدث في القرن العشرين، لتتلاقى النزاعات في صراع عالمي شامل؟

تتوقف البشرية عند مفترق طرق محفوف بالاضطراب، إذ لم تعد التحذيرات من صراعات محتملة محصورة في تقارير استخباراتية أو تحليلات هامشية، بل صارت تصريحات رؤساء دول وقادة جيوش تتحدث صراحة عن وجوب الاستعداد لاحتمال مواجهة عسكرية مع روسيا.

في قلب أوروبا، حيث تعيد الكتل الغربية صياغة استراتيجياتها الدفاعية، يبدو أن العقل الجمعي للمجتمعات الأوروبية يعبأ تدريجياً لمواجهة نزاع قد يمتد لسنوات، فيما تنذر المؤشرات بتحول السيناريوهات النظرية إلى واقع ملموس قبل نهاية العقد الحالي.

لم يعد الحديث عن حرب أوروبية مجرد فرضية نادرة فبعد أربع سنوات من الغزو الروسي لأوكرانيا، أصبح المصطلح ذاته يدرج ضمن خطاب الدبلوماسية الغربية الرسمية، إلى جانب مصطلحات كانت لسنوات بعيدة عن التداول، مثل “التهديد المباشر” و”الصراع المفتوح”.

وما يبدو اليوم واضحاً هو أن أوروبا الشرقية باتت مسرحا لصراع عالمي غير معلن، تشارك فيه روسيا بحلفائها الصين، إيران، كوريا الشمالية وكوبا، بينما يقف الغرب، بقيادة حلف الناتو، داعماً لأوكرانيا عسكرياً ومالياً وتقنياً.

المواجهة لا تتوقف عند حدود القارة الأوروبية. فالشرق الأوسط يعيش نزاعا متصاعداً بمشاركة أكثر من عشرين دولة، بدءاً من حرب طوفان الأقصى مروراً بالعمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ووصولاً إلى تهديدات بحرية حادة مثل إغلاق مضيق هرمز.

تأثير هذه المواجهات يتجاوز نطاق الأرض والسماء، ليضرب أسواق الطاقة العالمية ويعيد تشكيل التوازن الاقتصادي في أوروبا والعالم، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة كلفة النقل، واستنزاف الموارد المالية لدول الاتحاد الأوروبي.

في هذا السياق، تتخذ القوى الأوروبية خطوات غير مسبوقة لإعادة تشكيل قدراتها الدفاعية. فرنسا، بقيادة رئيسها، تستثمر في بناء حاملة طائرات نووية تعتبر الأكبر في أوروبا، بينما تعد ألمانيا ميزانية ضخمة لتحديث جيشها، متخليةً عن عقود من سياسة الاحتواء العسكري.

بولندا، التي تعتبر روسيا تهديدا وجوديا تصب أكثر من 4% من ناتجها المحلي على تجهيز جيش بري ضخم، مع برامج تدريب مدنيين على مواجهة الحرب. حتى هولندا وبريطانيا، رغم اختلاف حجم القوة العسكرية، يشددان على تحديث أنظمة الدفاع، بما في ذلك طائرات متقدمة، دفاع صاروخي، وسفن مسلحة بتقنيات متطورة.

وفي الوقت الذي تتحضر فيه أوروبا، يبدو الشرق الأوسط بالفعل في قلب صراع واسع النطاق. غزة تكاد تكون مدينة منكوبة بعد شهور من القصف، وإيران تصعد مواجهة تشمل الهجمات الصاروخية وعمليات الميليشيات في مختلف أنحاء المنطقة.

الاقتصاد العالمي يتأثر مباشرة بهذا الصراع، فمع استمرار غلق مضيق هرمز، يهدد النفط والغاز، وتتصاعد أسعارهما بشكل قد يتجاوز المئة وخمسين دولاراً للبرميل إذا طال الإغلاق.

هل نحن أمام حرب عالمية ثالثة؟ من الناحية الرسمية، لا، فليس هناك إعلان حرب بين القوى الكبرى. لكن الواقع الدولي يعكس تصاعداً خطيراً لصراعات إقليمية مترابطة، حيث تتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية لتخلق ما يسميه بعض المحللين “حرباً عالمية مجزأة”.

السؤال الأكبر، هل يمكن احتواء هذه الصراعات على المستوى الإقليمي، أم أن التاريخ سيعيد نفسه كما حدث في القرن العشرين، لتتلاقى النزاعات في صراع عالمي شامل؟

حتى اللحظة، العالم لا يعيش حربا عالمية رسميا  لكنه أيضاً لم يعد في حالة سلام حقيقي، بل في زمن تسوده التحركات الاستراتيجية، والتأهب النفسي والاجتماعي للحرب، حيث بدأت الشعوب تشهد أثر التوترات قبل أن تصلها المدافع.

https://anbaaexpress.ma/0ot2n

عبد الحي كريط

باحث وكاتب مغربي، مهتم بالشأن الإسباني، مدير نشر أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى