
هناك أيضا جمالية الصُّدفة، حين ألتقي بالصديق د. مصطفى محسن عالم السوسيولوجيا والشّاعر الذي آمن بسلطة الحبك البلاغي، شاعرا في سوسيولوجياه، سوسيولوجيا في شعره، لكل وفاؤه في ملتقى المعنى. ماذا يعني أنّ تختمر خبرتك السوسيولوجية وأنت تقرض شعرا؟ هل ثمة ما يؤكد أنّنا أمام شعرية السوسيولوجيا ، أمام قياسات سوسيولوجيا خبيئة، متصالحة مع بنات المتخيّل؟
في ديوانين توأمين أتحفني بهما د. مصطفى، أحدهما موسوم بـ: من شرفة الفجر، والثاني موسوم بـ: مدارج التيه. كلاهما يضمان مجموعة شعرية تطوف حول البوح والحماسة والوصف. من الشّرفة تنشأ إطلالة موحية، لكنها حين تصبح شرفة فجر مكلّل بالإصباح وطراوة الوجد، تزداد جمالية الزمان والمكان معا.
وفي مدارج التيه، نحن أمام تيه مقيد بمعالم طريق، مفارقة يحتويها الشعر، لكنها تحمل غواية أخرى، مقاييس التراتبية، للتيه هنا مدارج بما توحي به من تيه عمودي في قوسي الصعود والنزول.
أثارتني قصيدتان بات لهما وقع مزيد في سياق ما تشهده الأراضي الفلسط..ينية السليبة، إحداهما من مدارج التيه حول يافا، والأخر من شرفة الفجر حول غزّة. نشأت يافا في المتخيل الشعري العربي، حتى أنّها لم تعد في حاجة إلى أن تطأها أقدام أرباب الوصف والرثاء.
إنّها حضرت برونق ماتع نحت له في ديوان العرب معمارا ماديا ورمزيا لا يُضاهى. كلّنا يتذكّر وصف محمود درويش ليافا من “خلف الأسلاك”، حيث فيها ينشأ الخيال الفائق، ذاكرة الشوق، ورباب الحنين، حين يقول:
أحج إليك يا يافا
معي أعراس بياره
فناديها عن الميناء
عن الميناء.. ناديها
وشديني وشديها
إلى أوتار قيثاره
لنحيي سهرة الحاره
وشوق الحب للحناء
سينتشي د. مصطفى محسن في هذا المتخيّل الذي بات له حضور مكثّف في الزمان والمكان. الحنين إلى يافا المتخيّل يتجاوز الواقع ، حيث للحنين لحظات تقمّص تتجاوز الحدود والسهوب:
وأذكرك يافا
في غربة الشتات والحُزون
وخيبة الظنون
أيتها العزيزة القتيلة
يا قلعة النضال والصمود
يبلغ حسّ التضامن ذلك المدى البعيد، شعرية التضامن هنا تشترط قدرا وافرا من تقمّص المواجع والجراح، استحضار آلام المقاتل والنزوح. والشّوق ليافا كبير:
كفانا تشرد القُهور
فمدّي إليّ يديك
يا فريدة الزمان والمكان
يا غريبة الدّيار
وضمي يدي إليك من حرائق اللّظى
أصالة يافا وعراقتها تجعلها بهيّة، وجمالية المكان تذكي البوح بعشق المكان. ستظل يافا على طراوتها التاريخية، لا شيئ تغير، أو بتعبير الشاعر مصطفى محسن:
فما زلت على الطبيعة البريئة
نقية كألق الصباح
كبهجة الألوان في مواكب الأقاح
كماضيك برعم في ثنايا الأرض
في تواريخ الوطن السليب
وأعطى للزمان هوية الخلود
وصكّ الشفاعة
ومن شرفة الفجر، يحبك د. مصطفى محسن رائعة أخرى عن غزّة، ممضاة في عام 2011. ما أشبه اليوم بالبارحة. وصل تاريخي عنوانه وجع غزّة وهي بنبضها العبقري تواجه اليوم طُغيان النّار. اليوم حيث الدّم ينتصر على الحريق. الوصف لا زال قائما والسلام موصول:
سلاما غزّة الشرف المنيف
دافئة الأكناف في وهج الصقيع
حضن الأخوة العربية السمحاء
درة الأبيض المسحور
ترابطين على تخوم بحره المعطاء
ثغرا باسم القسمات
غزة الصامد في كل نوبة بطش، وفي كل عدوان، عنيدة في صمودها الأسطوري، كل مرة تورث العدو خيبة أمل لا تشبه الأخرى. يقول الشاعر:
وتصمدين غزة في غرة العام الحزين
تكبرين على الجراح حين” يعيد” الأغيار
تمانعين، تقاومين صنوف البطش
وتدهم سلمك المخطوف في عزّ النهار
فلول الغدر أسلحة الدّمار
فتُقدح في سحمة الجور الأثيم
شرارات الغضب المقدس في زنادك
على شرعة الغاب الجديد
في كل نكبة يبرز أطفال غزّة، ليسوا أبرياء، من قال ذلك؟، هم مقاومون لنذالة الكيل بمكيالين. كانوا سيقولون أنّ هذا شعب معتدي.
ولهم ألف حيلة وحيلة ليمسحوا كل نتوء من كل ضمير. لكن الأطفال هم من منح غزة شرعية البقاء، هم حقا من حاصر العالم، هم من أحبط لعبة التزييف. عن هؤلاء الأطفال.
يقول د. مصطفى محسن:
المجد مجدك عزة الأطفال والأبطال والزيتون
ثمة تفاصيل أخرى من جمالية الوصف وشعرية الحنين، لكنّها تُحفة هذا الصباح من توأمين شعريين للكاتب والعالم الجاد د. مصطفى محسن، انتقيت منهما ما هو جدير بآلام غزّة والأنين. فسلام عليك أرض الأحرار السليبة، مفخرة الأبطال، ومشتل الطفولة والشهداء.



