
تبدو قضية الإنسان في صلب التَّمَسْؤُل الأنطولوجي، باعتبار أنّ الكانطية وضعته أمام معادلة صعبة، أي في التخوم الفاصلة بين العلم والجهل، أسكن كانط إنسانه هنا.
تجاهل النومين بل أقصاه في كبرياء. يهمّنا هذا الكبرياء والزهد في مسار فلسفة كان يهمها هذا الامتلاك للمعرفة. لماذا لم يأسف كانط على انفلات النومين من هذا الامتلاك في عصر العقل والثورة الكوبرنيكية لأنسنة المعرفة؟ هل يا ترى كان كانط يعتقد أنّ فتح باب العقل على مصراعيه من دون شروط مسبقة ، سيكون طريقا للعبودية؟
نتذكر حكاية الثعلب الذي يقطع رجله بأسنانه لينجو من المصيدة. كان كانط يبحث عن الحرية أكثر من المعرفة، كان لا بد أن يقطع النومين بمنشار قبلياته، ليضمن ذلك القدر من الترانسندنتالية، باعتبارها مظهرا للحرية. ليس القيمة في أن تعرف كلّ شيء، ولكن المهم أن تكون حرّا ممتلكا للمعرفة المتعالية، لأنّ أي معرفة خارج حدود الفينومين، تكون على حساب الحرية.
هذه الحرية الكانطية سرعان ما ستخضع للارتداد، فالتعالي الكانطي لم يعد ضامنا، وحتى فيما تبقّى من حيز للظاهرات، فقد الإنسان سلطة الامتلاك الترانسندنتالي، حين برز سؤال الشروط التي يفرضها نظام الخطاب، والثورة النيتشية التي ستمضي بهذا التعالي إلى أقصاه في تقويض سلطة العقل نفسه، ليس فقط فيما يتعلق بنبذ الشيء في ذاته، بل حتى في مختبر الظاهرات لم يقبل لا شبنهاور ولا نيتشه فكرة المعطى.
كانت محاولة كانط مغرية لكنها انطوت على فراغات، سيتسلل من داخلها شبنهاور وسيطيح بها نيتشه الذي تجرّأ بخلاف شبنهاور – الذي منحه فائق التبجيل – بأن يصفه بأنه تحول إلى أبله. والحقيقة هي أن كانط لم يكن أبلها، ولكنه كان يعمل تحت تأثير روسو، لا سيما في أنسنة المعرفة، كانت الأنسنة سببا في تغاضي كانط عن كثير من الثغرات، لأن ما سيأتي بعده سيستعيد الهيغلية بشكل آخر، حتى ليبدو أن عصر ما بعد كانط هو تلفيق قاتل بين الهيغلية والكانطية، ما عدا شبنهاور ونيتشه اللذان تواطآ ليجعلا منها -أي الهيغلية- حماقة وباتولوجيا، بل إن المفارقة تكمن في أنّ الكانطية الجديدة هي ليست فقط محاولة لتدارك هذه الفتوق عبر التأويل، بل هي محاولة مهدت الطريق للانعتاق من هيمنة وثقل هذا الاستبعاد للنومين، لمزيد من تحقيق الظاهرات، وهو الذي سيولد فيما بعد الأسئلة التأسيسية لفينومينولوجيا إدموند هوسرل، إنّ فعل التحرر لا يقف عند إزاحة الشيء في ذاته، بل، إنّ ضريبة التحرر ستنقلب على كانط نفسه، وسيصبح العقل الخالص فيما بعده، يعيش على إيقاع ما يمكن أن نعتبره النوميني داخل الظاهرات نفسها، أي أنّ الظاهرات تحتفظ بمساحات نومينية حتى حين تعرض أمام الفاهمة. كيف يا ترى سنتخلص من النومين وهو غير واضح، وكيف سيصار إلى عزله ونحن نجهله.
لقد بدت قيمة الإنسان عند كانط في كونه يدرك حدوده، ولا ندري حتى الآن ما هي حدود ما نعرف وما لا نعرف. لأنّ الجهل يكتسح مجال الظواهر نفسها، أي هل نحن أمام ما نجهله وهو قابل للمعرفة، وما نجهله وهو ما امتنع عن المعرفة؟ من يا ترى يملك التمييز، ووفق أي تعالي نمتلك هذا التمييز بوصف التمييز خاصية العقل(إخوان الصفا).
في هذه التخوم الرخوة بين ما نعلم وما لا نعلم، كيف يحكم العقل بأنّ هذا ليس من اختصاصه؟ كيف يثبت العقل آلياته القبلية وإطاره الزمكاني بينما بهما يتحقق الفهم، كيف يظهر العقل للفاهمة؟ كل شيء يمكن أن يمرّ هنا طالما ثمّة غاية ملحّة: الحرية.
أعود لأقول بأنّ جوهر المحاولة الكانطية هو أنسنة المعرفة وتحقيق الحرية. وثمن التحرر هو تحقيق قدر من الترانسندنتالية، الذي يجعل الكائن حالة منفلتة عن الطبيعة، فهو بهذا المعنى كائن متعالي. لكن حيث لا يمكن تحقيق هذا التعالي وجب التجاهل، فالنومين يعيق فكرة التعالي. هذا مع أنّ الإدراك في حدود العقل المحض لن يتعارض مع حدس النومين وإدراكه بطريقة أخرى. يستتبع تحقق الحرية انحصارا في المعرفة. إن توسيع مدارك المعرفة يصبح هنا خطرا على الحرية، كلما اتسعت تلك المدارك تقلصت مساحة الحرية. نحن إزاء جدل المعرفة والحرية.
الحرية هي غاية ترانسندنتالية المعرفة. يتحرر الإنسان من الطبيعة ليستعيد امتلاكها ترانسندنتاليا، بعد أن تصبح وهو جزء منها ظاهرة معروضة على الفاهمة. ويبدو أن كانط يقف هنا ولا يذهب أبعد من ذلك ليدرك أنّ هذا ليس بدعة كانطية، بل حدسا واكب كل مراحل تفلسف الإنسان. إنه ذلك الوضع الذي يسم الإنسان، وسبق وأسميته بالتّخارج النوعي، وهذا التخارج لا يقف عند الانفلات من الطبيعة وإعادة امتلاكها ترانسندنتاليا، بل إن هذا الميل يتيح للإنسان أن ينفلت من نفسه أيضا، ويحول ذاته إلى فينومين، فيصبح الإنسان موضوعا للإنسان،والعقل موضوعا لتعقّل نفسه.
شيء من الجهل ضروري لقيام الحرية. ليست المشكلة إذن في استحالة إدراك النومين، بل لأن معرفته كابحة لسلطة الامتلاك الترانسندنتالي، لأنّه ينفلت من القبلي كانطيا ، لا يمكن أن يصبح النومين فينومين، وعليه، يبدو أن كانط غلّب مصلح الجري العملي، متجاهلا وعازفا عن النومين، حيث إقصاؤه في نهاية المطاف تحقيق للحرية. في مسألة ترجيح الجري العملي ما يعزز أيضا هنا أنّ كانط سيجعل للعقل العملي أهمية في موضوع الحرية، ما يعزز أهميته وحاكميته.
لا شكّ أنّ القيمة الأساسية للموقف الكانطي تتجلّى في الانقلاب على عقلانية النهضة، حيث لا حدود للعقل، ولا شكّ أنّه أيضا لم يجعل هذه الحرية مطلقة، بل هي في حدود العقل العملي، غير أنّ إقصاء الشيء في ذاته سيكون مكلفا، مكلفا حتى في مجال العلم وفرضياته، في حجم ما لم يكن معقولا بشروط العقل المحض فيصبح يقينيا، فيما تستبعده الأيديولوجيا العقلانية والباراديغم العلمي اليوم من حيز ما يمكن معرفته.
إنّ الشيء في ذاته، وإن لم نعرفه، فإننا نشعر به – عند شبنهاور-، إنّه مجال للحدس الذي لا يمكن للعقل أن يحشره في شروط العقل المحض وآلياته القبلية، بوصفه تشخصا وحضورا للمعرفة.
إذا كان ما هو ممكن معرفته هو ما يمثل أمام الفاهمة، فكيف يظهر العقل أمام العقل؟ لم يقدم كانط ما هو شافي، وهنا حدث ذلك الاضطراب الذي استشعره شوبنهاور في وقت مبكّر، لم يحدد معنى العقل، ولا حتى معنى ما يعرض أمام الفاهمة، مكتفيا بعبارة لا يرى لها شبنهاور أي دلالة، وهي ” إنّه معطى لنا”، لم يحدد حسب هذا الأخير جوهر المفاهيم، تمييزها عن العقل، ومع أن كانط في نظر شوبنهاور امتاح من نظرية باركلي، وإن لم يكن لهذا الأخير حظّ في استخراج نتائج منها تضارع ما فعل كانط، إلاّ أنه تراءى له كانط قد استدرج نفسه بنفسه إلى “تناقض خالص”.
يمكن إعتبار ما بعد كانط هو عصر كانطي بامتياز، أيا كانت نسبة هذا التأثير، غير أنّنا أيضا نعيش عصرا نقيضا للكانطية، حيث تراجع الشروط الدقيقة للعقل، وحيث تحوّل العقل المحض فضلا عن العملي مجالا لهيمنة الأيديولوجيا، لنتحدث أيضا عما أسميه بثأر النومين، حيث تراجع الحرية، والتبست حدود العقل، وتزاحمت سلطة العقل المحض مع العقل العملي، لا نتحدث عن انفلات الإنسان من الطبيعة، بل تفلّت داخل الطبيعة، فبات مرتهنا لثأرها، كما في الجائحة، وكما في ارتدادات إحدى أعظم مظاهر حرية الفعل التي انتهت إلى استعباد الإنسان، ليس من قبل الطبيعة بل من قبل الإنسان نفسه، أي كيف يسطوا العقل المحض على العقل العملي لينتج استعبادا مقنعا كوسموبوليتيكا.
يحصل أنّ الفيلسوف، كما هو حال كانط، لا يلتفت إلى ما يختفي خلف هذا التسامح الذي تستهين به لحظات التأسيس، قبل أن يتحوّل إلى ثقافة ومؤسسة، وقبل أن يتعدّل أيديولوجيا ويتفلت من حدود العقل، ليصبح ارتدادا. تصبح الفلسفة دواء فقط – فرديا وجماعيا – حينما لا تتقاعد وتصبح جزء مؤثثا لمتحف تاريخ الفلسفة، بل عليها أن تخضع للمحاسبة، لأنّ العقل لا يموت، ولأنّ جرائم القول الفلسفي لا يجري عليها قانون التقادم، شريطة أن تُحاكم في شروطها وإرتهاناتها.



