
ما أنادي به، اليوم، ثلاث: تأسيس الفكر النقدي، وتأسيس معادلة العلم والإيمان، وأخيراً تبني خيار اللاعنف للتغير الاجتماعي السياسي.
علمنا التاريخ أنّ هناك علاقة بين القراءة والكرامة، وفي الأنجيل في أول انجيل يوحنا جملة معبرة في البدء كانت الكلمة.
وأشارت أول سورة نزلت من القرآن إلى هذه العلاقة الخفية المثيرة: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} [العَلق: 3]، فالقراءة تعني العلم، والعلم يعني الفهم، والفهم يعني الارتفاع، والسيطرة، والتحرر، والقوة، كما اكتشف ذلك فيلسوف التنوير فرانسيس بيكون.
بالعلم يرتفع الإنسان، ومن الجهل تتولّد الحيرة والاستبداد، كما حرّر ذلك الكواكبي في كتابه، طبائع الإستبداد ومصارع الاستعباد، إنّ الجهلة يتنازعهم العلماء والطغاة، فإمّا حرروهم وإما استعبدوهم، ولا يمكن لشعب واعٍ أن يعلو ظهره طاغية، وتسقط الأمم بسقوط ثقافتها.
إنّ أول كلمة نزلت في القرآن كانت (اقرأ)، وأول جملة في الإنجيل أشارت إلى أنّ بدء الأشياء هو (الكلمة): في البدء كانت الكلمة، وذكر العهد القديم علاقة الفهم بالقوة فقال: (أنا الفهم لي القوة)، وعُرِف، اليوم، أنّ كتاب الخليقة، الذي بموجب تعليماته نتكوّن، يضمّ بين دفتيه ثلاثة مليارات حرف، في لغة سرية من أربعة حروف، تتجمّع على شكل كلمات توحي بإذن ربّها ما تشاء في تشكيل الجسم، وما حوى. وكل مستوى في الوجود مكتوب بلغته الخاصة. {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النُّور: 41].
العلم يفاضل بين أقدار الناس، ومصائر الأمم، وأعظم الأمم أكثرها قراءة، قال التاريخ هذه الحقيقة بصور شتى: فتوحات الإسكندر، وهيمنة الحضارة الهلينية، وأثرها حتى اليوم في الحضارة الإنسانية، والنظم السياسية، ومن الفلسفة جاء الفكر، ومنهجية تنظيم العقل، وتحريره من الفوضى والعبثية، تكرر هذا الشيء للرومان والمسلمين، ويتكرر اليوم للألمان، والكنديين، وأهل الصين، وماليزيا، فهنا معتق الانبعاث، وساحة الخلاص.
وفي يومٍ، كان العرب أمةَ قراءة، واليوم يعيشون عصر الظلمات، والجملوكيات، والمخابرات، والانقلابات، والاجتماعات للمؤامرات، في عدد من الأميين مرعب يتجاوز مئة مليون!
وتعلو الأمة الأمريكية، واليابانية، بفعل القراءة، والعلم، والفكر، وتعلم الأمريكيون أكثر مع صدمة السبوتنيك، بعد أن سبح الروس في السماء.
واليوم في أمريكا أكبر نسبة من القرّاء، والعلماء، والمؤسسات العلمية، ومصارف المال، وبراءات الاختراع، وجوائز نوبل، وميداليات الأوليمب، واليوم، يوجد ما يزيد على نصف مليون بحث في مكتب براءة الإختراع في أمريكا ينتظر الدراسة، ومنها ما تقدّمت به الأبحاث الحديثة، ووصلت إلى فك (الجينوم البشري)، وبعده الشمبانزي، بل إنسان نياندرتال، الذي انقرض قبل (35) ألف سنة، ثم تلاه مشروع طموح جداً لمسح كلّ الكائنات الحية، ووضع اليد على أثمن ما في الوجود قاطبة، بما هو أثمن من بحار البترول، وجبال الألماس، لأنه الاكتشاف الجديد للإنسان، فمنه سيتمّ قهر السرطان، والإيدز، ومنه سيتم مسح ثمانمئة مرض وراثي، ومنه سيتمّ كشف كامل الخارطة الوراثية عند الإنسان، ومعرفة ما هو الإنسان، فعلاً، على الأقل في المستوى البيولوجي، وهي أبحاث ستشغل العلماء في مدى (300) سنة القادمة.
الإنسان كائن غامض مجهول غير معروف، ولعل أهم كشف، في الشفرة الوراثية عند الإنسان، معرفة (جينات العدوانية)، وهل لها أساس بيولوجي في الخارطة الوراثية، أو أنها عمل الثقافة المريض؟
وقد يمكن لجم الحرب من باب غير متوقع بفرملة العدوانية، وسفك الدم، وإنتاج نسخة بشرية معدلة للسلام، أو هكذا نتفاءل، فكل النظريات تتحطم عند قدمي تفسير الإنسان!، إلا أنّ الطب ضرب معوله في مواقع انبجست ينابيع للعلاج، ومصادر لا تعرف النفاد في راحة البشر.
إذا استطعنا تقرير أنّ أيّ واقع بشري هو نتيجة طبيعية للأفكار التي يحملها الناس في مجتمع ما، فإنّ العكس صحيح أيضاً، بمعنى أنّ تغيير رصيد ما في النفوس سوف يغير الواقع الاجتماعي، ويتولّد عن هذا ثلاث نتائج متلاحقة يأخذ بعضها برقاب بعض:
الأولى: طالما كان تغيير ما في النفوس يرجع إلى الأفكار التي نزرعها، فإنّ مفاتيح التغيير الاجتماعي هي ملك يميننا، وبها تُدَشَّن الكرامة و الحرية الإنسانيتان.
وتنصّ الحقيقة الثانية على أنّ أسرار التغيير تحت أيدينا، ومن ثَمَّ، أيّ شيء يحدث لنا هو من صنع أيدينا، وهي فلسفة القرآن، التي تنص على أن الظلم؛ الذي يقع على الإنسان، هو من صنع يده، قبل أن يكون من مصدر آخر ! وفي الأنجيل اعرفوا الحق الحق يحرركم.
ولعل أعظم فضيلة يتدرب عليها الإنسان هي ألا يلوم أحداً، بل يلوم نفسه عند مواجهة أيّ خطأ، وألا يلعن الظروف، بل يفهم قوانين حدوث تلك الظروف، تمهيداً للسيطرة عليها و في الإنجيل لاتدينوا كي لاتدانوا ويا أيها المرائي لاتنظر القذى في عين أخيك وتنسى الخشبة التي في عينك، أخرج أولا الخشبة، من عينك كي ترى.
وترى الحقيقة الثالثة أن نتوجّه إلى الحقل المفيد في التغيير الاجتماعي، من خلال فهم سنن التغيير، لأن وعي أيّ قانون يفتح الطريق أمام تسخيره، والتسخير هو الخدمة المجانية، وهو متاح لجميع البشر.
إذاً، مفاتيح التغيير بأيدينا، والإنسان مهندس مصيره، فهذه هي الحقيقة الأولى، ويوجهنا القرآن إلى تغيير نفوسنا حتى يتغير واقعنا، وليس اغتيال الحكام، ونسف المؤسسات، وقتل المختلفين عنّا. والتغيير يبدأ، دوماً، من عندنا، ويجب أن يُفهَم الصراع العربي الإسرائيلي، في هذا الضوء، من زاويتين:
– إسرائيل اختلاط ومضاعفات (COMPLICATION) للمرض العربي الأساس.
– الصلح العربي – العربي أهم، وأجدى، وأبقى من الصلح العربي الإسرائيلي.
ثانياً: إنّ الكون مؤسس على قوانين، والقوانين قابلة للفهم، وفهمها يمنحنا السيطرة عليها، وما ينطبق على الفيزياء ينطبق على المجتمع.
وفي قوانين التغيير، أبدع جودت سعيد في طرح المشكلة، في عدد من الكتب، مثل حتى يغيروا ما بأنفسهم، واقرأ وربك الأكرم، والعمل قدرة وإرادة، ومذهب ابن آدم الأول.
لقد كان سقوط التفاحة هو الذي ألهم، في لحظة عبقرية، نيوتن اكتشافَ قانون دوران الكواكب، وسباحة المذنبات، وهي الفكرة التي ألهمت عالم (النمل) الأمريكي المعاصر، إدوارد ويلسون (O. EDWARD WILSON)شقَّ الطريق لاكتشاف (وحدة العلم)، في صورة بانوراما شاملة جعلته يطرح مبدأ البيولوجيا الاجتماعي(SOCIAL BIOLOGY ) فما ينطبق في البيولوجيا يمكن أن يسري في المجتمع وفق قوانينه النوعية.



