آراءثقافة

مشروع النهضة وموت الأمم

 يمكن اختصار هذه المرحلة بما أورده مالك بن نبي، عن محمد إقبال، من أنّ الانقطاع المعرفي عن التاريخ تطلب حلاً لم يُنجز بعد حركة الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، لقد قام محمد إقبال بامتصاص الفكر الغربي، ولكن ليس ليصبح غربياً، بل ليغني تجربته الروحية بإضافات المعرفة الجديدة.
ويضرب بن نبي، مثالاً على ذلك، تلقيح النباتات، فحين تضع عرشاً صغيراً على شجرة كبيرة يمتصّ الغصن الصغير نسغ الحياة من الشجرة الأم، ليخرج ثمراته الخاصة، وليس ثمرات الشجرة الأم التي وضع عليها، هذا ما فعله محمد إقبال، ولم نفعله نحن، وهذا يفسر، من جانب نهضة الهند، وإعاقة العالم العربي، بل دخوله مرحلة التفسخ، والفوضى، والانحلال، والتفكك، إلى أجل غير مسمّى، وهذا يدخلني على مبحث موت الأمم، فهل ماتت الأمة العربية؟ 
من اللافت للنظر أنّ القرآن أشار إلى المَيْتَتَين، فذكر موت (الفرد){وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق: 19]، كما أشار إلى موت الأمم والمجتمعات{لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} [يُونس: 49]، فالأجل، هنا، جماعي، وليس فرديّاً. فالآجال، إذاً، نوعان: منها ما هو خاص بالفرد، والآخر بالمجتمعات، وكلّ من نوعية متباينة، وهذا يعني، بكلمة ثانية، أنّ الأمم تموت، والدول تنتهي، والشعوب تفنى، والحضارات تُباد وتنهار، بل إنّ حديث القصعة أشار، أيضاً، إلى طرف من هذا: «توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فيتحول المجتمع الإسلامي إلى مواد غذاء وتموين لبناء أجساد أخرى، عندما يختلّ تركيب التكوين الداخلي الاجتماعي، فتتحول طاقات الأفراد المنسابة، عبر الأقنية الاجتماعية، إلى مصادر تفجير لها، فتتمزّق أقنية الوصل الاجتماعية، ويتهتّك النسيج الاجتماعي.
 
جاء في كتاب ميلاد مجتمع، لكنّ الطاقة الحيوية قد تهدم المجتمع ما لم يسبق تكييفها، أعني ما لم تكن خاضعة لنظام دقيق تمليه فكرة عليا تعيد تنظيم هذه الطاقة، وتعيد توجيهها، فتحولها من طاقةٍ ذات وظائف بيولوجية خالصة في المقام الأول – حيث تشترك في حفظ النوع – إلى طاقة ذات وظائف اجتماعية يؤدّيها الإنسان، حين يسهم في النشاط المشترك لمجتمع ما.

كما أسعفنا القرآن بأمثلة عن مجتمعات باتت مريضة تمشي باتجاه الموت، وكيف تمّ التصرف تجاهها، بين فتية أهل الكهف؛ الذين انطلقوا لتأسيس مجتمعهم الخاص بهم، و ظنوا حتى بالكلب أن يبقى في المجتمع السابق!! وبين موسى صلى الله عليه وسلم، وهو يواجه أعظم حضارة في عصره، حيث حدد مهمته على وجه الدقة، بأنّه لا يريد إصلاح المجتمع الفرعوني؛ الذي وضع الموتُ يدَه الباردة عليه، إنّه يريد شعبه؛ الذي ينتظره أن يُدفن في الصحراء، أولاً، من خلال (التيه)، كي يخرج من أصلابهم جيلٌ لا يعرف غير الشمس والحرية، وهو الذي لن يرتعد من (القوم الجبارين)؛ الذين توهَّمَهُم آباؤهم كذلك. 

والمثل الثالث، في إنفلاق مجتمع المدينة الساحلية إلى ثلاث مجموعات أمام تحدّي الانحراف، نجا فيه الفريق الصغير، نواة الأمة الجديدة، بترابط جديد للقيم. أما بقية المجتمع، فتشوّه الترابط الداخلي عنده، ليتحوّل إلى مجتمع (القردة الخاسئين){فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ} [الأعرَاف: 166]، ولا غرابة؛ لأنّ كروموزومات القردة تشبه (99 %) من كرموزومات الإنسان، ولكنّ الاختلاف في البناء الداخلي، ولو باختلاف (1 %) يقلب البناء رأساً على عقب، ويحوّل البشر السوي إلى قردٍ خاسئ!! 

شهادة التاريخ في موت المجتمعات 

إن المجتمع الفرعوني، حينما اندثر، وطواه التاريخ، وبقيت الأهرامات تشهد على حيوية شعب أصبح في ذمة التاريخ، لم يمت أفراد ذلك المجتمع (بيولوجياً)، ولم تُغيَّب عناصره الأولية في التراب، وما زال الإنسان الفرعوني (المصري) يعيش، ولكن كعنصر أولي يشارك في حضارة مختلفة، فعندما مات المجتمع الفرعوني تحوّل أفراده إلى عناصر أولية، و(طوب)، أو (لبنات) امتصها مجتمع زاحف نامٍ متفوق، كوَّن بها نفسه من (لبنات) المجتمع الميت؛ الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهكذا تحول المجتمع (الفرعوني) إلى مجتمع (روماني)، ثمّ مات بدوره ليتحول إلى مجتمع (إسلامي)، وهكذا طوى التاريخ بين جنبيه مجتمعات تترى، ضمها قبر التاريخ، وضريح الحضارات {ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ} [المؤمنون: 42]، مثل المجتمع اليوناني، والقرطاجني، والأزتيك، والأنكا، والوبيخ، والفرعوني… إلخ{هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} [مَريَم: 98]. 

https://anbaaexpress.ma/jswi9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى