
حديثنا اليوم عن أمور تحدث في مجرى التاريخ، فيمضي التاريخ وفق دورة رتيبة، حتى يتقدم الجنس البشري على مسار أكبر من حياة الأفراد، كلّ ما في الكون يقوم على حقيقة أنطولوجية تمسك بمفاصل الوجود، من حقيقة الدورة، في شرائح لا نهائية للوجود، من الحقيقة الفيزيائية إلى الدورة الفلكية، بين دورة الإلكترون والكوكب، ودوران العجلة. من دورة الماء في الطبيعة، إلى دورة الحياة، ومسلسل أيام الدول، ونظم قيام المجتمعات، وحركة نهوض وتعثّر الحضارات.
ويمسك الوجودَ قانونٌ صارم في دورة حياة النبات، والحيوان، والإنسان، في حركة قوسية محكمة بين الولادة والنمو، فالنضج، فالتحلل، إلى الاستسلام، إلى الفناء، ليخرج من رماد الأموات حياة جديدة، فكما عبر القرآن عن طبيعة هذا التغير، وشكل التحول، بأنّه من ضعف إلى قوة، ومن القوة من جديد إلى الضعف والشيبة، كذلك اعتبر أنّ هناك تبادلاً في العلاقات بين الموت والحياة، فهو يخرج الحي من الميت، كما يخرج الميت من الحي تماماً، في معادلة ذات لغز صارم مستعصٍ على الفهم.
إنّ استيقاظ الوعي التاريخي هو في لحظة الانقطاع عن الطبيعة، فإذا كانت البيولوجيا والطبيعة تسمح برؤية متباعدة الزمن، فإنّ المجتمعات لا تمنح هذه الفرصة، ويبقى أمام المراقب طريق سحري واحد لإدراك التحوّل الاجتماعي، يراه عقلياً تحليلياً غير منظور بالعين المجردة، في مدرسة التاريخ، فالتاريخ يضيف إلى العمر أعماراً، فيمدّ في فسحة العمر، ومجال الوقت، حيث يستطيع أن يقفز الفكر مع وحدات الزمن المتباعدة المترافقة بتغيرات مذكورة واضحة، عندها يبدأ الوعي التاريخي، فاستيقاظ الوعي التاريخي – كما قال المؤرخ الألماني (بوركهارت) – هو لحظة الانقطاع عن الطبيعة.
وهناك فكرة مزلزلة ومهمة لا ينتبه إليها إلا أقلّ الناس، فعندما يشقّ تيار جديد طريقه الإصلاحي، يُهاجَم من المجتمع بأشدّ من نقر الدجاجات لزميلتها الدجاجة المجروحة، التي تميزت عنها، حتى الموت، في عقاب جماعي للخروج عن نظام القطيع، وهذا حسّ دفاعي طبيعي، من أجل التأكّد من جدية التوجه الجديد، وصدق المحتوى، وصلابة العود، وفرط التعلق، وعشق الهدف.
ولكن غير الطبيعي فيه والمرضي، والخطير، والغامض، هو أنّ من يصارع الاتجاه الجديد، فيفترض، في نفسه، أنه يمثل الأرثوذكسية، والوصاية على العقول، والتمثيل الصحيح، واحتكار تفسير النصوص، والقبض على الحقيقة الحقيقية المطلقة، ينسى، في زحمة الزمن الممتد، أنه قد تحول من حقيقة إلى شكل.
صراع الحقيقة والشكل:
(شكل) محنّط يصارع، في وقت مختلف، و(حقيقة) تقفز إلى الوجود، وتخترق مجال (الشكل) المرتعب، وجرت العادة أنّ دورة التاريخ تقف وتصطفّ، إلى جانب (الحقيقة) ضدّ (الشكل)، وفي النهاية، تنتصر الحقيقة ضد الشكل، مع فقدانها كلّ اسم لامع، ورايات خفاقة، وعناوين ضخمة مغرية، ويعود دولاب التاريخ من جديد ليسحق الشكل القديم، وتفرز الحقيقة الجديدة، لتأخذ اسماً وتشكلاً جديدين، في ثوب زاهٍ، وألفاظ جديدة، وكيان مختلف، و{كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ} [الأنبيَاء: 104].
انقلاب الأدوار:
ثمّ يمضي التاريخ، ليروي لنا استمرارية الدورة، التي لا تقف عند أحد؛ فسرعان ما يستسلم هذا الكائن الدينامي، الذي حقّق وجوده، بالتعب، والجهد، والعمل العبقري، إلى سحر انتصارات، وإنجازات الماضي، وذكريات البطولات، والمنعطفات المصيرية، فيظنّ أنّ الوقوف مكانَ إنجاز السابق نفسه سيعيد الحدث، في عبودية حمقاء للشكل والذات، ونسيان روح الإنجاز، فيستسلم، فتصرعه عجلة التاريخ، عندما تغادره روح الحقيقة، فيذوي، ويتحنط متحولاً إلى الشكل الجديد، الذي يصارع، بكلّ ضراوة، محاولات التغيير؛ التي تشقّ الطريق إليها الحقيقةُ الجديدة التاريخية المتشكلة، على حين غفلة، من أعين المراقبين، ونوم العيون عن حركة التاريخ الخفية، التي لا تعرف التوقف قط، وهو لا ينتبه، في كلّ صراعه، أنه يعيد الدورة التاريخية، في نغم جديد، وحلقة مكررة بدأها هو.
هذه المرة داود ضد جالوت، تماماً، كما حدث من قبل، بفارق أن كلّاً منهما أخذ موقع الآخر!! كما في قصة (التحوّل) لكافكا!! وما حصل في إيران لا يخرج عن هذا القانون، إنّه من جديد داود بمرقاع وحجر، ضدّ جالوت الديني المسلح بدرع كبيرة وسيف هائل!! وإذا سقط جالوت الديني، فيجب ألا يفاجئنا الخبر؛ لأنّ هذه هي قصة دورة التاريخ، و{كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ} [الأنبيَاء: 104] {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ} [الأنبيَاء: 105].



