آراءثقافة

النظرة العلمية الجديدة

هناك توجهان للعلم الأولى هي النظرة العلمية القديمة (المادية العلمية) وهي في طور الانقلاب اليوم بشكل ثوري؛ وهكذا فالتوجه العلمي الذي بدأ في أوروبا قبل ثلاثة قرون أتى أكله في كل ميدان في الوقت الحاضر في صور ليست وردية في كل ميدان.

فكيف ترى النظرة المادية القديمة الوجود؟

الكون مادة، والعقل إفراز ثانوي للدماغ، ولا حكمة وراء الطبيعة، وكل شيء يمكن تفسيره بلغة المادة؛ فلا غرابة أذان من  هذه النتيجة أن لا خالق في الكون، والكون يخضع للصدفة والضرورة، والاندثار والفناء يلف الوجود الإنساني.

لا عقل، ولا إرادة حرة. لا حياة أخروية. لا برمجة في الكون. ولا غائية؛ بل يخضع للعبثية؛ بل حتى الجمال هو (غير موضوعي) بل نحن اخترعناه!!

لا غرابة إذن عندما درسنا الطب في الفيزيولوجيا لنقرأ نصف الآية (وجعلنا من الماء كل شيء حي) بدون أن نصل إلى نهاية الآية الذي هو بيت القصيد كما يقال (أفلا يؤمنون).

الإسلام أراد (العلم النافع) أي هو ذلك العلم الذي له غاية ونهاية وخلق (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) ومن هنا نفهم عمق الحديث (لا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم الذي لا ازداد فيه علماً يقربني من الله تعالى).

الإسلام يريد (العلم الغائي) الذي يقرب إلى الله تعالى. يريد من الطبيب أن يخشع قلبه مع نبض الشرايين وضخ الدم وإفراز الهورمون وتفاعل المعدن وترابط الجزيئات. يريده أن يتأمل ويتأثر بين إفراز الكبد الأصفر، ودم الشريان الأحمر. بين نبض الجهاز العصبي، وتوتر العضلات، وتماسك الأربطة. بين تسبيح الخلايا، ودمدمة النورونات، وتألق العصبونات، وووهج كهربية القلب، وزخم الأفكار وتدافعها في  الدماغ.

هنا جندت نفسي لهذه الرسالة منذ قرابة نصف قرن لاكتشاف هذا الفضاء الجديد للمعرفة، وهذه العلاقات المقدسة الجديدة، والحفر في هذا المنجم ذي الخامات المجهولة حتى الآن. في معرفة طبيعة جديدة لترابطات جديدة، لصياغة عجينة جديدة ورحيق جديد نغذي به شبابنا لاقتحام تيارات المعاصرة الجديدة وولوج عواصف الحداثة حتى يبدأ الضغط الدموي للجسم الإسلامي بالارتفاع من وضع الصدمة، وحتى يمكن جسن نبض الحياة يضرب في عروقه، ونرى تورد الوجنات تعلن العافية الطيبة، والفعالية تدب في الجسد الذي عانى من مرض القرون.

إن العلم الجديد منذ مطلع القرن العشرين ووصولا إلى القرن الواحد والعشرين مر بسلسلة من الثورات والتحولات المثيرة بحيث تغيرت صورة العالم القيم والفكر القديم، وحالة العلم اليوم ليست سرعة بل تسارع؛ فهناك تدفق مخيف لكم المعلومات، بحيث أن هناك انقلابا نوعياً مع كل تراكم كمي على الشكل الذي شرحه العلامة ابن خلدون قديماً من أن التراكمات الكمية تقود في النهاية إلى تغير نوعي، وهو انتباه رائع دشنه في القرن الثامن الهجري عندما كانت الحضارة الإسلامية تدخل طور النوم واللا فعالية.

لقد تمت اختراقات رائعة ومذهلة لفضاءات جديدة قام بها العقل الإنساني بعد أن بدأت الحضارة الإنسانية تدخل طوراً جديداً؛ فلم تعد أوروبية أو صينية وهذا كان تدشينا هائلاً وصلت إلى أعتابه البشرية.

إن السلاح النووي المشؤوم الذي توصلت إليه أمريكا فيما سبق في مختبر (لوس آلموس) لم يكن أمريكيا محلياً بل كان نتاجاً عالمياً بالدرجة الأولى حيث عمل في المختبر تيللر الهنغاري وفيرمي الإيطالي وكيستايكوفسكي الإوكراني واوبنهايمر الأمريكي وفوكس الألماني الخ…

لكن العلم منذ أن كتب راسل كلماته التي أوردناها سابقاً مر بسلسلة مثيرة من الإنعطافات النوعية حيث وجهت ضربات مزلزلة إلى النظرية المادية القديمة، وكانت الأولى إلى المعقل الرئيسي حقل الفيزياء على أيدي مجموعة من رواد القرن العشرين مثل إينشتاين ونيلز بوور وهايزنبرغ وأوتو هان وكارل فريديك فون فايتسكر وهانس بيته واوبنهايمر وهنريكو فيرمي ولورانس وإدوارد تيللر وعشرات سواهم حيث تم وللمرة الأولى في تاريخ الجنس البشري الدخول إلى فهم أعمق للذرة وبالتالي المادة والوجود المادي.

ثم أمكن أحداث انقلاب نوعي في إمكانية شطر الذرة على طاولة اوتوهان المتواضعة وبذلك شطبت المسلمة القديمة (الآتوم) تلك الترجمة اليونانية للفظة الذرة حيث لم تعد الذرة بعد ذلك الجزء الذي لا يتجزأ بل أصبحت (الجزء الذي يتجزأ بدون نهاية على ما يبدو)، وللدخول إلى فهم أعمق للبناء الذري وقفت فيزياء نيوتن عقبة في الطريق من خلال مفهوم (الزمان والمكان المطلقين) فلم يعد هناك زمان مطلق أو مكان مطلق بل يوجد (متصل الزمان والمكان).

وهو مصطلح جديد طرحته النظرية ا لنسبية التي طورها اينشتاين من خلال النسبية الخاصة والنسبية العامة في عام 1911و1916 الميلاديين وبذلك أمكن فهم الوجود بشكل انقلابي جديد وترتب على النظرية النسبية أمور تأخذ بالألباب حيث أمكن فرز علاقة جديدة بين الطاقة والمادة، حيث صيغت علاقة الطاقة بالمادة على أن الطاقة والمادة هما صورتان لحقيقة واحد، بل والدخول لفهم فهم قوى الوجود كلها ضمن قانون توحيدي واحد، حيث تنتظم الوجود الآن أربع قوى عظمى وليس قوة واحدة هي القوة الكهرطيسية والجاذبية وقوى النواة الضعيفة والقوية، وبذلك أمكن الدخول إلى فهم قوانين الوجود الكبرى، وهذا يعني هدم جذري للبنى الفيزيائية التي سادت العصر السابق مع كل ذيولها الفلسفية التي فسرت الوجود بالمادة البكماء العاجزة التي تفسر كل شيء حولها بما فيه الحس والعقل.

https://anbaaexpress.ma/xml0a

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى