آراءدولي

ماكرون و العهدة الثانية

على مرمى حجر من الانتخابات الرئاسية المقبلة في فرنسا ،يحتذم الصراع بين اليمين المتطرف و المحافظين و اليسار و القوميين و التجمعيين و الخضر، الكل يرفع شعار، فرنسا أولا، بينما اليمين المتطرف و بعض من يحسبون على اليسار و القوميين أعلنوا صراحة العداء لباقي مكونات المجتمع الفرنسي الغير فرنسيين أو من هم من أصول أخرى : عربية و افربقية و يشمل هذا كل المهاجرين بصفة عامة باستثناء ذوي الأصول الأوروبية.

العداء الواضح لكل من ليس فرنسي، و قد سارع كل المرشحين لإبداء آراءهم بخصوص مستقبل المهاجرين من أصول غير فرنسية، و ذلك بوضع سياسات تشريعية و قوانين وشروط للهجرة إلى فرنسا، شروط تقدس قوانين الجمهورية و تضع كل من يخالفها في خانة المشتبه به قانونيا ، و قد يصل الأمر إلى حد اتهامه بالإرهاب. إلا أن إجماع كل النخب السياسية يمين و يسار و محافظين و خضر على تبني سياسات مناهضة و متطرفة في حق المهاجرين بكل اصنافهم و الوانهم و دياناتهم أمر غير عادي و ينم عن قصر النظر، و يخالف المبادئ الأساسية للثورة الفرنسية، و كل القيم الإنسانية من حريات فردية و حقوقية و سياسية و حقوق الإنسان و الحق في الاختلاف و خاصة ما يتعلق بالمعتقد الديني.

فرنسا، تضع الآخر في دائرة الاشتباه و هو غير مرحب به، بل يعتبر إرهابيا، إذا ما حاول ان يكون مختلفا، فكريا و عقديا و ثقافيا و قيميا .فرنسا تريد فرض قيم الجمهورية على الآخرين دون مراعاة للخصوصيات الفردية و الجماعية لمن هم على أراضيها، لظروف خاصة، اقتصادية واجتماعية و سياسية و لظروف أخرى ك الحروب الأهلية. و نظرا للسياسات الممنهجة من قبل الغرب في بلاد المهجر بتسخير خيرات هذه البلدان لخدمة مشروعها التنموي فقط، دون السعي نحو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه البلدان، و الحد من الأوضاع المزرية التي تساهم بشكل أو بآخر في تدفق الشباب الافريقي و العربي نحو الحدود الأوروبية بحثا عن وضع اجتماعي أفضل.

فرنسا، تصنع الكعكة بأيد عربية و افربقية، و تحب أكل الكعكة منفردة، فيما ترمي بالقشور إلى مزابلها و الآن هي تريد ان تتخلص حتى من اولائك الذين يصنعون تفوقها و ساهموا في بناء صرحها الاقتصادي والاجتماعي و الثقافي و الفكري والعسكري.

في فرنسا الكل متوجس من كل شيء له علامة إسلامية أو ينتمي للشرق. حتى أن التخوف أصبح كبيرا من أن تصير فرنسا دولة إسلامية أو ما اصطلح عليه (أسلمة فرنسا ).الاسلاموفوبيا لم تعد ظاهرة معزولة تتبناها مجموعات سياسية صغيرة و تحسب على اليمين المتطرف، لقد باتت الاسلاموفوبيا ظاهرة المجتمع الفرنسي بكل مكوناته السياسية يمين و يسار و محافظين و خضر بدرجات متفاوتة، بل نجد بعض العرب من اليسار و القوميين و من الأفارقة أكثر توجسا هم كذلك من الإسلاميين أو ما اصطلح عليه بالإسلام السياسي.

و أطلق الرئيس الفرنسي زوبعة كبرى ضد الإسلام والمسلمين ،متهما المسلمين أو الإسلام السياسي بالسعي نحو تقسيم المجتمع الفرنسي و نشر قيم الكراهية ،مما دفع بكثير من الحقوقيين و رجال الفكر بفرنسا بالوقوف ضد مزاعم الرئيس الفرنسي، و الدعوة إلى عدم الانجرار نحو خلق فتنة مجتمعية داخل فرنسا بين مكونات المجتمع الفرنسي ، الشيء الذي قد يؤدي إلى زعزعة استقرار فرنسا و يؤثر عليها سلبيا ك بلد الثورة الفرنسية الداعمة للحريات و حقوق الإنسان و العدالة الاجتماعية.

هل سيدفع ماكرون ثمن هجمته الشرسة على الإسلام والمسلمين و الإسلام السياسي، و تتجه بذلك الجالية العربية و الافريقية و الجاليات المسلمة بأصواتها لمن لا يتبنى خطاب الكراهية و الإقصاء.

هل فقدت فرنسا بوصلتها بتبنيها خطابا يعادي ثقافات و حضارات أخرى و شعوبا بعينها.!هل الجمود الفكري و الفشل في تدبير الأزمات الداخلية، خصوصا منها الاقتصادي والاجتماعي و الثقافي، أدخل فرنسا مرحلة الجمود السياسي و أضعف قدرات سياسييها في ابتكار حلول فعالة مجتمعية تخرج فرنسا من أزماتها المتراكمة لعقود طويلة بسبب السياسات العرجاءفي تسيير البلاد و بسبب ضيق أفق سياسييها.

هل يستطيع ماكرون الفوز بولاية ثانية إذا ما استمر في تبني خطاب الكراهية و الإقصاء، مع عدم وجود البديل و خصوصا مع تبني غالبية الأحزاب السياسية في فرنسا لغة معادية للأجانب و الإسلام و للهجرة بشكل عام.

هل أصبحت أوروبا و الغرب عموما أكثر راديكالية و تطرفا بخطابها السياسي الذي يحمل مشاعر الكراهية و العنصرية و الإقصاء العلنية ضد المختلفين ، عرقيا و فكريا و عقديا و ثقافيا .ما هو مصير المغتربين في بلاد المهجر و ما هو مصير الهجرة بشكل عام داخل الجغرافيا الأوروبية و العالم الغربي! كيف ستتفاعل الجاليات المغتربة مع هكذا وضع سياسيا و فكريا و قانونيا و حقوقيا!

و في ظل غياب البديل السياسي الواقعي و الحكيم و المنفتح فكريا و إنسانيا، هل سيعود ماكرون إلى الواجهة ثانيا و يفوز بولاية ثانية، بالرغم من فشله الذريع في لم اللحمة الوطنية الفرنسية.

https://anbaaexpress.ma/11JT7

أحمد الونزاني

كاتب وباحث مغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى