آراءدولي
أخر الأخبار

الدجاجة الذهبية والتنين الرقمي: الذكاء الاصطناعي شهوة التفوق ومخاطر الانفلات

واشنطن وبكين حرب الرقائق التي تعيد تشكيل موازين القوة في القرن الحادي والعشرين

ثمة حروب لا تسمع فيها المدافع، ولا تظهر خرائطها على شاشات الجيوش، لكنها تعيد توزيع القوة في العالم بعمق يفوق الحروب التقليدية.

حرب الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين واحدة منها، سلاحها الرقائق، وذخيرتها البيانات، ومصانعها مراكز حوسبة تستهلك من الكهرباء ما يكفي لإضاءة مدن كاملة.

وفي هذه الحرب، لا يتنافس الطرفان على سوق جديدة فحسب، بل على حق كتابة قواعد المستقبل وتحديد من يفكر، ومن ينتج، ومن يراقب الآخرين.

من هذا الباب جاءت تحذيرات الرئيس الأميركي دونالد ترامب من «قتل الدجاجة التي تبيض ذهبا». فمراكز البيانات، في نظره، ليست مباني صامتة محشوة بالخوادم، بل مناجم العصر الجديد وأساس التفوق الأميركي.

أما الاعتراضات المرتبطة باستهلاك الطاقة والمياه، أو المخاوف الصحية والبيئية، فيتعامل معها باعتبارها عقبات قد تدفع الاستثمارات إلى أماكن أخرى، وتمنح الصين هدية لم تكن لتحصل عليها بقوتها وحدها.

تكشف هذه اللغة رؤية سياسية تختزل الذكاء الاصطناعي في معادلة حاسمة: من يسبق يحكم، ومن يتردد يتراجع. لذلك يقلل ترامب من التحذيرات التي تتحدث عن فقدان السيطرة على الأنظمة المتقدمة، ويضع الريادة قبل الاحتياط.

غير أن التقنية التي قد تصنع الثروة قادرة أيضا على خلخلة سوق العمل، وتوسيع المراقبة، وتسريع التضليل والهجمات السيبرانية، ومنح الخوارزميات سلطة على قرارات تمس حياة البشر.

ولهذا لا تكفي قوة الرئيس ولا ارتفاع معدل ذكائه، كما يوحي الخطاب الترامبي، لضبط منظومة عابرة للحدود، فالمطلوب مؤسسات يقظة، وقوانين مرنة، واختبارات مستقلة، ورقابة لا تعادي الابتكار ولا تستسلم له.

في الجهة المقابلة، ترفض بكين الاتهامات الأميركية لشركاتها بسرقة قدرات النماذج المتقدمة عن طريق «التقطير». وتؤكد أن هذه التقنية، التي يتعلم فيها نموذج أصغر من مخرجات نموذج أقوى، ممارسة معروفة في الصناعة وليست جريمة صينية مبتكرة.

بينما ترى واشنطن أن الاستخدام الواسع والمنظم لها يحول التعلم التقني إلى استحواذ غير مشروع على ثمرة استثمارات باهظة. وهكذا يغادر الخلاف ميدان القانون التجاري ليدخل منطقة فلسفية شائكة: هل يمكن احتكار المعرفة التي تنتجها آلة تعلمت بدورها من تراث بشري مشترك؟

أما حرب الرقائق، فتقدم أكثر مفارقات الصراع إثارة. فقد نجحت القيود الأميركية في تضييق وصول الصين إلى بعض المعالجات ومعدات التصنيع المتقدمة، لكنها دفعت بكين في الوقت نفسه إلى تسريع برامج الاكتفاء الذاتي، وتوجيه الاستثمارات نحو حلقات الضعف في سلسلة التوريد.

كل باب أغلقته واشنطن تحول إلى مختبر جديد في الصين، وكل عقوبة أصبحت حافزا لبناء بديل محلي. صحيح أن الفجوة لم تختف، خصوصا في تقنيات التصنيع الدقيق والذاكرة المتطورة، لكن الحصار الذي يبطئ المنافس اليوم قد يصنع استقلاله غدا.

ولا تقف كلفة المواجهة عند حدود البلدين. فانقسام العالم إلى منظومتين للرقائق والبيانات والمعايير سيجبر الدول والشركات على اختيار معسكر تكنولوجي، ويرفع تكاليف الإنتاج، ويضيق مساحة البحث المفتوح.

وقد يصبح لكل نصف من العالم ذكاؤه الاصطناعي، وقواعده، ومنصاته، وحقائقه الخاصة، وعندها لن تكون المشكلة في اختلاف الأجهزة، بل في انقسام المعرفة الإنسانية نفسها.

ومع ذلك، يظل التعاون ضرورة تفرضها طبيعة الخطر. فهجوم سيبراني يطلقه وكيل ذكي، أو نظام متقدم يتصرف خارج التوقعات، لن يتوقف عند الحدود، ولن يسأل عن جنسية الخادم.

ومن هنا تكتسب محادثات السلامة بين واشنطن وبكين أهميتها، ولو اقتصرت على تبادل الإنذارات، ومراقبة الحوادث الكبرى، وضمان بقاء القرار النووي والعسكري بيد الإنسان.

غير أن انعدام الثقة يجعل كل ضابط مقترح موضع اشتباه: أميركا تخشى أن يتحول التعاون إلى منفذ لنقل المعرفة، والصين تخشى أن تتحول السلامة إلى اسم مهذب للاحتواء.

الأرجح أن المستقبل سيقوم على تنافس شرس تتخلله مساحات ضيقة من التفاهم. لكن السؤال الذي ينبغي أن يقلق العالم لا يتعلق بمن يصل أولا، بل بما ينتظر الجميع عند خط الوصول.

قد تكون مراكز البيانات دجاجة تبيض ذهبا، غير أن الذهب يفقد بريقه إذا أنتج فقرا جديدا، أو مراقبة أشد، أو آلة تتقدم أسرع من حكمة صانعيها.

الانتصار الحقيقي لن يكون في امتلاك أذكى نموذج، بل في امتلاك ضمير سياسي وأخلاقي يمنع الذكاء من التحول إلى قوة بلا بصيرة، ويجعل التكنولوجيا جسرا إلى مستقبل الإنسان، لا طريقا مختصرا إلى هزيمته.

https://anbaaexpress.ma/zlusq

منير لكماني

مهندس مدني خبير في الإنشاءات والطاقة كاتب مغربي من ألمانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى