آراءسياسة
أخر الأخبار

انتخابات المغرب 2026.. هل يعيد الناخب رسم الخريطة السياسية؟

تتجه الأنظار في المغرب إلى الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر 2026، في محطة تتجاوز تجديد مجلس النواب إلى اختبار لمسار سياسي وانتخابي تدرجت المملكة في ترسيخه خلال العقود الماضية.

ومنذ حكومة التناوب عام 1998 برئاسة عبد الرحمن اليوسفي، انتقل التنافس الحزبي تدريجياً من المعارضة إلى المشاركة في إدارة الدولة، وصولاً إلى صعود حزب العدالة والتنمية وقيادته الحكومة بعد انتخابات 2011 و2016، قبل أن يتراجع بصورة حادة في انتخابات 2021.

واليوم تأتي انتخابات 2026 لتطرح سؤالاً مباشراً: هل يستطيع الحزب استعادة موقعه، أم أن الخريطة التي أفرزتها انتخابات 2021 أصبحت واقعاً سياسياً جديداً؟

خريطة سياسية أمام امتحان الناخب

يخوض 27 حزباً المنافسة على 395 مقعداً، في سباق يضع الائتلاف الحكومي والمعارضة والعدالة والتنمية أمام اختبار جديد.

فالعدالة والتنمية، الذي تصدر انتخابات 2011 وحصل في 2016 على 125 مقعداً، وجد نفسه بعد انتخابات 2021 أمام هزيمة كبيرة، بعدما تراجع إلى 13 مقعداً فقط، في حين تصدر التجمع الوطني للأحرار بـ102 مقعد، يليه الأصالة والمعاصرة بـ87، والاستقلال بـ81.

وبعد خمس سنوات من تلك الخسارة، يعود العدالة والتنمية إلى المنافسة محاولاً إعادة تنظيم صفوفه واستعادة ثقة الناخب. وتكتسب عودته أهمية خاصة لأنها تختبر قدرة حزب قاد الحكومة لولايتين على مراجعة تجربته والعودة من موقع المعارضة.

فالحزب الذي صعد بالصندوق، سقط بالصندوق، والآن يحاول العودة بالصندوق نفسه.

في المقابل، يدخل الائتلاف الحكومي الذي يضم التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال الانتخابات مطالباً بالدفاع عن حصيلة خمس سنوات من الحكم. وقد شهد المغرب خلالها مشاريع واستثمارات في البنية التحتية والصناعة والطاقة والتنمية، إلى جانب برامج وإصلاحات اجتماعية.

لكن الانتخابات ستضع هذه الحصيلة أمام المواطن، الذي يقيس الإنجاز بقدر انعكاسه على حياته اليومية، خصوصاً في التشغيل والقدرة الشرائية والتعليم والصحة والخدمات.

وهنا تتحول المنافسة إلى مواجهة بين الحصيلة والوعود: هل أقنعت الإنجازات المواطن؟ وهل تستطيع المعارضة تقديم بديل أكثر إقناعاً؟

ولا تنحصر الخريطة في هذه المواجهة؛ فالتعدد الحزبي وتوزيع المقاعد يجعلان تشكيل الأغلبية الحكومية مرتبطاً بنتائج الصناديق والتحالفات التي ستتشكل بعدها.

لذلك لن يكون السؤال فقط من يتصدر النتائج، وإنما من يستطيع بناء الأغلبية وتشكيل الحكومة المقبلة.

انتخابات تتجاوز الحسابات الحزبية

لا يمكن فصل الاختيار الانتخابي عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي. فالمغرب يواصل مساراً من النمو والاستثمار، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات البطالة، خصوصاً بين الشباب، والقدرة الشرائية والفوارق الاجتماعية والمجالية وجودة الخدمات.

لكن المواطن لا يصوت على نسب النمو وحدها، بل على ما يراه في سوق العمل ودخله وأسعار السلع والخدمات. ولذلك ستكون البرامج الحزبية مطالبة بالانتقال من الوعود العامة إلى حلول أكثر وضوحاً وقابلية للقياس.

ويبقى الشباب أحد أهم اختبارات الانتخابات، ليس فقط من حيث المشاركة، وإنما من حيث قدرة الأحزاب على إشراك الأجيال الجديدة في الحياة السياسية وصناعة القرار.

وتكتسب التجربة المغربية أهمية إضافية في محيط عربي شهد أزمات وصراعات وتغيرات سياسية عميقة. فقد حافظ المغرب على انتظام العملية الانتخابية واستمرار المؤسسات، مع بقاء تحديات تتعلق بالعزوف والثقة في الأحزاب وفاعلية الحياة الحزبية.

ولا يعني ذلك أن التجربة مكتملة أو خالية من الإشكالات، لكنها تقدم حالة مختلفة في المنطقة: إدارة التنافس السياسي داخل المؤسسات، وإمكانية تغيير موازين القوى عبر الانتخابات دون أن يتحول الاختلاف السياسي إلى أزمة تهدد استقرار الدولة.

ولهذا فإن انتخابات 2026 لن تكون مجرد سباق بين الأحزاب، بل اختباراً للمسار الانتخابي نفسه: هل يستطيع الائتلاف الحكومي تجديد الثقة؟ وهل يستعيد العدالة والتنمية جزءاً من قوته؟ وهل تستطيع المعارضة إنتاج بديل مقنع؟

في 23 سبتمبر، لن يختار المغاربة برلماناً جديداً فقط، بل سيحسمون ما إذا كانت خريطة 2021 ستصمد، أم أن صناديق الاقتراع ستفتح صفحة سياسية جديدة.

https://anbaaexpress.ma/0a31e

إدريس أحميد

صحفي و باحث في الشأن السياسي المغاربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى