عبدالله فضّول
تطرح طبيعة التدين في مجتمعاتنا اليوم إشكالية حساسة تتعلق بالحدود الفاصلة بين حرية الفرد وسلطة الجماعة.
ويبرز هنا سؤال جوهري: هل يظل الدين اختياراً شخصياً ينبع من أعماق القناعة الذاتية، أم أنه في جوهره التزام مجتمعي تفرضه النشأة والمحيط؟ نحن في حاجة إلى فهم الكيفية التي ينصهر بها الضمير الخاص مع الممارسات الظاهرة التي يتوقعها المجتمع لضمان استقرار المودة والوئام.
فالتدين، حين يكون روحاً تسري في المعاملات، يمنحنا هوية جامعة تحمينا من التشتت، ويجعل الالتزام بالثوابت فعلاً نابعاً من الانتماء الصادق لا من الخوف.
لكن يبقى السؤال: هل نملك حقاً الحرية الكاملة في رسم مساراتنا الفكرية بعيداً عن نظرة الجيران والأهل والمجتمع؟ وكيف تنجح القواعد الاجتماعية في حماية هوية المجموع دون أن تكسر بخاطر الفرد أو تصادر حقه في الاطمئنان لما يؤمن به؟
الإيمان في أسمى تجلياته عمل قلبي خالص لا يقبل الإجبار أو القسر، وهو ما تؤكده النصوص القرآنية: «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، و «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي». ومع ذلك، يقتضي العيش المشترك ضوابط تحفظ الفضاء العام من الفوضى.
وهنا تبدو القوانين وكأنها أسوار تحمي وحدة الصف، لكنها قد تسجن الطموح الفردي في التميز أو الاختلاف. فهي لا تهدف إلى التفتيش في الضمائر، بل تسعى لصد ما يمزق وحدة الصف، مما يجعل احترامها صيانة لكرامة الفرد وهيبة الجماعة في آن واحد.
يتحقق الانسجام بين الشخص ومحيطه حين يدرك الجميع أن الصدق مع النفس هو أقصر طريق للسكينة. فمتى ما وافق الظاهر الباطن، تلاشت الأقنعة التي نرتديها خوفاً من الملامة.
وهنا لا يشعر المرء بوطأة القوانين لأنها تعبر عن ضميره الجمعي وتنسجم مع فطرته. غير أن الأزمة تكمن في الصدام الأزلي بين الأنا في أصفى حالات تجردها وبين نحن في أقصى حالات سطوتها.
وهي أزمة لا يحلها رصف العبارات مهما بلغت من البلاغة، إذ يثبت الواقع أن كل خطوة يخطوها الفرد نحو الجماعة هي بالضرورة تنازل عن جزء من سيادته الشخصية، مما يجعل هذا الانسجام في نظر الكثيرين قناعاً مهذباً لضياع الهوية الفردية تحت وطأة الضمير الجمعي.
وتتفاقم المعضلة حين يغيب الإيمان القلبي، فيغدو الالتزام بالمظاهر العامة عبئاً يورث اغتراباً نفسياً حاداً. والحل لا يكمن في التصنع الكاذب، بل في الانتقال من التكيف القسري إلى الانسجام الواعي القائم على التعاقد الأخلاقي.
فإذا غابت القناعة بالعقيدة، لا ينبغي أن تغيب القناعة بالقيم الإنسانية التي تحفظ المودة، كالصدق وحسن الجوار والوفاء بالعهود.
المخرج يتجلى في الفصل الحصيف بين المجال الخاص الذي يمتلك فيه الفرد أمانة ضميره وحرية تساؤلاته، وبين المجال العام الذي يحترم فيه ثوابت المجموع كضمانة للسلم والوئام.
وجوهر التوازن المنشود يكمن في صياغة مفهوم للانتماء يقوم على الاستنارة؛ حيث تتحول الحرية إلى مسؤولية أخلاقية، ويغدو الخلق القويم جسراً آمناً يعبر فوقه الفرد نحو قلوب الآخرين، محققاً انسجاماً لا يقوم على تطابق الأفكار، بل على وحدة القيم الإنسانية النبيلة.
المجتمعات التي تقدر قيمة الوضوح وتفسح المجال للصدق تجد في تمسك أفرادها بهويتهم حصناً منيعاً، ليبقى التوازن بين أمانة الضمير وهيبة القانون هو الضامن الحقيقي لحياة تفيض بالمودة وتخلو من الأقنعة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: كيف نربي أجيالنا على موازنة كفتي الميزان بين أمانة الضمير وضرورة الوفاء للثوابت التي تمنحنا اسمنا ووجودنا؟




