آية مصدق
في خضم الحرب الواقعة في الشرق الأوسط، والتي أدت إلى تعطيل ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية، تخوض إيران هذه الحرب بمفردها تقريبًا، في ظل غياب حليفيها الاستراتيجيين، الصين وروسيا، اللذين يقفان على مسافة آمنة يحصدان المكاسب دون تقديم دعم عسكري حاسم. وهو ما يكشف طبيعة العلاقات الدولية في لحظة التحول الكبرى، حيث تحل المصالح محل التحالفات.
إن العلاقة بين إيران من جهة وبين الصين وروسيا من جهة أخرى يحكمها التناقض؛ إذ أعلنت كل من بكين وموسكو دعمهما الثابت لطهران ورفضهما العدوان عليها، معتبرين ما يحدث عملاً غير مشروع بموجب القانون الدولي.
غير أنهما لم يقوما بدعم مباشر، بل اكتفتا بدعم سياسي ودبلوماسي، بينما تستفيدان استراتيجيًا واقتصاديًا من استمرار الحرب.
الصين: شريك تجاري يحمي مصالحه من مسافة آمنة
تعتبر الصين أكبر شريك تجاري لإيران، تربطها معها اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة منذ 2021، وتستورد ما يقارب 80% من صادرات إيران النفطية، التي تشكل حوالي 24% من إجمالي واردات الصين من النفط الخام.
هذا بالإضافة إلى اعتمادها على مضيق هرمز لاستيراد نحو 45% من احتياجاتها النفطية من الإمارات وقطر والعراق والكويت والسعودية وإيران مجتمعة. لذلك، تحرص بكين على استقرار علاقتها مع دول الخليج، ولا تريد تعريض مصالحها التجارية معها للخطر بسبب دعم عسكري صريح لإيران.
وهو ما يفسر تحركها الحذر إزاء طهران، فهي تدعمها سياسيًا في مجلس الأمن وتدعو إلى وقف الهجمات العسكرية في المنطقة دون دعم عسكري صريح.
لكنها ساهمت في إنقاذ الاقتصاد الإيراني في وقت تتعرض فيه إيران لعقوبات اقتصادية وعزلة تجارية، فقد أمّنت الصين احتياجها الطاقي بأكثر من 11 مليون برميل من النفط وصلتها منها من إيران منذ بدء الحرب عن طريق أسطول الظل وعبر مضيق هرمز، في وقت تتعرض فيه باقي السفن والناقلات لهجمات واعتراضات.
مما يشير إلى أن طهران، وليس واشنطن، هي التي تسيطر على المضيق. وهذا الوضع يخدم المصالح الصينية؛ فبكين تحصل على النفط بثمن رخيص وتبقي الإقتصاد الإيراني واقفًا دون دعم عسكري يكلفها توتر علاقتها مع الدول الخليجية التي تضمن لها تنوع مصادرها.
كما يمكننا قراءة الموقف الصيني في سياق أوسع ضمن التنافس الصيني الأمريكي. فالحرب على إيران تأتي في وقت دقيق قبل زيارة مرتقبة للرئيس ترامب إلى الصين للبحث في العلاقات التجارية.
ويمكن فهم هذه الحرب، في جزء من أهدافها، كمساعٍ أمريكية لتقليص قدرة طهران على تأمين الاحتياجات النفطية الصينية ورفع كلفة مصادر الطاقة التي تستوردها الصين خارج مناطق النفوذ الأمريكي، بهدف جلوس بكين إلى طاولة التفاوض وهي في موقع أكثر ضعفًا من حيث أمن الطاقة.
وبالتالي تصبح طهران ورقة ضغط بين واشنطن وبكين، وليس فقط عدوًا وجوديًا لإسرائيل يجب التخلص منه. فإذا فضلت تل أبيب خيار التدمير والرغبة في القضاء التام على إيران، فإن لأمريكا أهدافًا أخرى من بينها تقييد خيارات الصين الطاقية عبر التحكم في النفط الإيراني، كما فعلت مع النفط الفنزويلي بعد اختطاف الرئيس مادورو.
وإن تحقق ذلك، سيكون بمثابة الكابوس الحقيقي للصين التي ستجد نفسها أمام واقع استراتيجي تتحكم فيه واشنطن بشرايين نموها الاقتصادي.
لذلك، ليس من صالح الصين سقوط النظام الإيراني واستبداله بآخر موالٍ للولايات المتحدة، لأن ذلك سيقلص من خياراتها الطاقية ويفرض عليها التعامل مع خصمها الأمريكي كي لا تخسر أهم مصادرها في الشرق الأوسط.
لكن ما الذي يفسر عدم تدخلها عسكريًا لحماية النظام الإيراني؟ تشير التقارير إلى أن الصين تزود إيران بقطع غيار ومكونات صواريخ وتقنيات رادار، لكنها لا تنقل مقاتلات أو صواريخ، ولا تنوي التدخل عسكريًا والدخول في مواجهة مباشرة مع أمريكا وإسرائيل وكل من يدعمهم في الغرب، وتعتبر استقرارها الاقتصادي والأمني أولوية، لذلك تنتهج بكين طريق الدبلوماسية في التعامل مع الوضع الراهن كي لا يقع الإضرار بمصالحها في المنطقة.
روسيا: المستفيد الأكبر من الحرب.. انتعاشة إقتصادية ومكاسب سياسية
إن أردنا البحث عن المستفيد الأكبر من هذه الحرب فلا يمكننا أن نجد مستفيدًا أكثر من روسيا خاصة بعد أن وافقت واشنطن على شراء النفط الروسي لتخفيف صدمة الأسعار بعد إغلاق مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع سريع في أسعار النفط والغاز.
وهذا منح الاقتصاد الروسي انتعاشة مالية ضخمة في ظل عقوبات مفروضة عليه منذ بداية الحرب الأوكرانية. فبينما كان سعر النفط الخام الروسي يتداول بأقل من 40 دولارًا للبرميل في ديسمبر 2025، ارتفع ليتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل في التاسع من مارس الجاري، متخطيًا بذلك سعر خام برنت، ولا يزال يرتفع مع استمرار الحرب، وهو ما يساهم في تعويض خسائر موسكو والتقليل من وطأة العقوبات.
أما المكسب الثاني الذي ربحته من هذه الحرب، فهو تحول الانتباه الدولي والإمدادات العسكرية الأمريكية نحو الشرق الأوسط بعيدًا عن أوكرانيا.
فانشغال الولايات المتحدة بالحرب يخفف الاهتمام بالجبهة الأوكرانية، سواء من حيث الاهتمام السياسي أو من حيث الموارد العسكرية مثل الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي التي تحتاجها كييف.
كما أن بإمكان روسيا الرفع أسعار النفط والتفاوض مع الغرب بشأنه مقابل تخفيف العقوبات، وهو ما عبرت عنه تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بخصوص التسعيرة الجديدة للنفط والتفكير في تصديره لأوروبا.
أما المكسب الثالث، فيتمثل في عودة الاهتمام الآسيوي بالنفط الروسي؛ فالهند عادت إلى السوق الروسية مع تعطل إمدادات الخليج ومنح الضوء الأخضر الأمريكي للخام الروسي.
إذ تشير البيانات إلى أن شركة “ريلاينس” اشترت خلال هذا الشهر ما لا يقل عن 6 ملايين برميل من خام الأورال اتجهت نحو الموانئ الهندية، إلى جانب وجود ما يقارب 9 ملايين برميل من الخام الروسي العائم قرب المياه الهندية، بالإضافة إلى الصين التي تحاول توسيع مشترياتها من روسيا في ظل اضطرابات الخليج.
كما أن الصين، التي تواجه اضطرابًا في إمداداتها من الخليج، تتجه أيضًا إلى توسيع مشترياتها من روسيا. وأخيرًا، هناك المكسب الدبلوماسي المتمثل في تقديم روسيا نفسها كوسيط لا يمكن تجاوزه في الأزمة.
فالاتصالات المكثفة التي أجراها بوتين مع قادة إيران وأمريكا ودول الخليج تعزز مكانة موسكو الدولية وتضعها في موقع الند مع واشنطن، وكأنهما القوتان الكبيرتان الوحيدتان القادرتان على حل الأزمات الكبرى. وبالتالي تستفيد روسيا دبلوماسيًا من حرب هي لا تشارك فيها، وتعزز صورتها كقوة كبرى بينما تخوض حربًا أخرى في أوكرانيا.
غير أن هذا لا يعني تخليها عن إيران تمامًا. فهي تقدم دعمًا عسكريًا محدودًا وغير مباشر، يتضمن معلومات استخباراتية تساعد حليفتها في تحديد مواقع القوات الأمريكية، وتعاونًا في مجال التكنولوجيا العسكرية والمسيّرات، لكنه يبقى دون مستوى التدخل المباشر.
وقد أكدت تقارير غربية أن روسيا زودت إيران بمعلومات استهداف لمواقع سفن وطائرات أمريكية في الشرق الأوسط، وهو ما عززه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بقوله إن التعاون مع روسيا “ليس سرًا” وإن موسكو “تساعدنا في اتجاهات مختلفة كثيرة”.
لكن هذا الدعم يبقى ضمن حدود لا تدفع باتجاه مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة؛ فروسيا منشغلة في أوكرانيا وجيشها مرهق، ولا تريد فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط.
التحالف البارد: غياب الدعم العسكري المباشر ومصالح لا تحتمل ثمن المواجهة
في نهاية الأمر، تؤكد هذه الحرب قاعدة ثابتة تحكم العلاقات الدولية، وهي أنه ليس هناك أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، المصالح وحدها من تقرر متى يصبح العدو صديقًا ومتى يصبح الصديق عدوًا.
والصين وروسيا تتصرفان حسب هذه القاعدة ببراغماتية وبرود؛ فهما شريكان في الاستغلال، مختلفان في السياسة، متفقان على عدم دفع ثمن حرب لا تعنيهما سوى في ما يمكن ربحه من مكاسب منها. وإيران تدرك هذا وتتقبله، لأن وجودهما خير من غيابهما، فالغياب يعني نفطًا بلا مشترٍ وحربًا بلا سند.
كما أن تدخلهما بشكل مباشر عسكريًا سيكون له كلفة باهظة على أرضها، وسيجعلها ساحة صراع بين قوى عظمى تتصارع على هيمنة العالم، ولن تمر بضعة أسابيع حتى تشتعل كل الجبهات وتستيقظ كل العداوات وتشارك دول العالم في حرب عالمية تكتب فصلها الثالث.
لذلك، يظل عدم تدخل العملاق الصيني والروسي في هذه الحرب هو الخيار الأنسب للجميع. بل يجب ألا يتدخل أي طرف رابع يحمل وزنًا عسكريًا بصفة مباشرة في هذه الحرب حتى لا تتسع رقعتها، وتبقى في حدود حرب إقليمية حول سيادة الشرق الأوسط والتحكم في خيراته.
* كاتبة ومدونة تونسية




