سمير باكير
تاريخيًا، كان الهدف من مشروع تراكُم الضغط على إيران هو تغيير حساباتها. وقد افترضت الولايات المتحدة دائمًا – وما تزال – أن حسابات إيران ستتبدّل في نهاية المطاف تحت وطأة الضغط. وكانت ترى أن المشكلة، إن وُجدت، تكمن في مستوى الضغط لا في أصل استراتيجية الضغط نفسها.
لاحقًا، تمكّن الكيان الإسرائيلي من إقناع واشنطن بأن تغيير حسابات إيران في القضايا الجوهرية المرتبطة بأمنها القومي يتطلّب ضغطًا يبلغ حدّ تهديد وجود الدولة. وكان الادعاء أن إيران لن تعيد النظر في حساباتها الأمنية إلا إذا شعرت بأن كيانها مهدَّد.
وقد تصرّف ترامب وفق هذه المقاربة تحديدًا؛ إذ اعتقد أن عدم تراجع إيران سببه عدم كفاية الضغط، وأن تراكمه إلى مستوى معيّن سيؤدي حتمًا إلى تغيير الحسابات الإيرانية.
ومن المرجّح أن الإحاطة الاستخباراتية التي قدّمها نتنياهو لترامب في مارالاغو تضمّنت المضامين نفسها: إذا كان الضغط كافيًا فستتغيّر حسابات إيران، ولا ينبغي التردّد في مواصلة تصعيده. ويبدو أن نتنياهو شدّد على ضرورة ألّا تشعر إيران بأن ترامب متردّد أو متشكّك.
إن جزءًا مهمًا من مشهد حشد القوات، والتهديدات المتكرّرة، وإنتاج محتوى واسع حول قرب اندلاع الحرب، يمثّل من زاوية معيّنة حملة إدراكية موجَّهة بعناية للتأثير في المجتمع وصنّاع القرار، ودفعهم إلى الشعور بأن لا خيار سوى بين الحرب أو الاستسلام، وأنه لا وجود لخيار ثالث.
وهذا ما سمّته مصادر إسرائيلية مؤخرًا «فرط التهوية للمجتمع الإيراني». فالهدف هو إغراق المجتمع والقيادة بعبء إدراكي مفرط يفضي إلى إنهاك ذهني، ومن ثمّ دفعهم إلى قرارات انفعالية وخاطئة بدل القرارات العميقة والعقلانية.
في هذا السياق من صراع إدراكي معقّد، قرّرت القيادة الإيرانية والقوات المسلحة وشريحة واسعة من النخبة السياسية أن تُظهر لترامب أن الضغط – مهما بلغ مستواه – لن يغيّر حسابات إيران. والسبب بسيط: لأن تغيير الحسابات تحت الضغط لن يفضي إلا إلى مزيد من الضغط.
غير أن الأمر، في الحالة الإيرانية، لا يقتصر على ذلك. فمن الخطأ اعتبار كل ما جرى ضد إيران مجرد حملة حرب إدراكية تستهدف التأثير في حساباتها وقراراتها ومواقفها التفاوضية؛ فهذه ليست إلا نصف القصة.
أما النصف الآخر فهو أن ترامب انجرّ إلى مسار – كما قال ويتكوف – كان يأمل، وربما كان واثقًا، أن تؤدي فيه الضغوط الوجودية غير المسبوقة إلى استسلام إيران، لكن ذلك لم يحدث. وهو اليوم في حيرة من أمره: ماذا يفعل؟
أمام ترامب خياران: إما الاستمرار في المعادلة نفسها التي تفترض أن الضغط لم يبلغ حدّه الكافي، وأن زيادته ستُفضي في النهاية إلى تغيير الحسابات الإيرانية؛ أو أن يدرك أن هذا المسار خاطئ أساسًا في مواجهة دولة مثل إيران، وأن عليه تغييره.
هناك فريق واسع ومتحمّس يدفعه إلى المضي قدمًا في التصعيد. ومن هنا برزت فكرة «الضربة المحدودة» لفرض اتفاق. واضح أن هناك من يسعى لإقناع ترامب بأن حشد القوات وحده لا يكفي، وأن تغيير الحسابات الإيرانية لن يتحقق إلا بتوجيه ضربة مباشرة.
غير أن إيران أوضحت خلال هذه الفترة أنه لا وجود لما يُسمّى ضربة محدودة؛ فأي ضربة ستقود إلى تصعيد واسع، ولن تكون نتيجتها استسلام إيران، بل ردًا غير مسبوق ضد الولايات المتحدة.
لهذه الأسباب بات المشهد غامضًا ومفتوحًا على احتمالات متعدّدة. فقد سلك ترامب، بتوجيه من نتنياهو، طريقًا لم يعد قادرًا على استخراج نصر كبير منه. كانت العناوين خاطئة، والوجهة كذلك.
واليوم، على أعتاب المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، ينبغي أن يكون أمرٌ واحد قد اتّضح: حسابات إيران لا تتغيّر تحت الضغط، مهما اشتدّ. وعلى ترامب الآن أن يقرّر: هل يغيّر حساباته ويسلك مسارًا جديدًا، أم يواصل السير في الطريق الذي أثبت فشله؟
القرار بيد الولايات المتحدة. فإذا جرى تصحيح مسار الضغط، فقد يكون الاتفاق ممكنًا. أما إذا استمر النهج نفسه، فإن إيران مستعدّة لتحمّل ما يلزم من كلفة لتصحيح الحسابات الأميركية. وعلى المدى البعيد، فإن إثبات فشل مسار الضغط أقلّ كلفة وأكثر جدوى من الخضوع له.




