أفريقياتقاريرسياسة
أخر الأخبار

خارطة بولس لليبيا.. هل تقود إلى بناء الدولة أم ترسخ إدارة الأزمة؟

تثير المبادرة التي يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الإفريقية، مسعد بولس، بشأن تسوية الأزمة الليبية، نقاشاً متزايداً في الأوساط السياسية، وسط تباين في تقييم أهدافها الحقيقية.

ففي حين تُقدَّم باعتبارها خارطة طريق لإعادة توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء سنوات الانقسام، يرى منتقدون أنها تضع الاستقرار الأمني والاقتصادي في صدارة الأولويات، على حساب معالجة جذور الأزمة السياسية.

وتقوم المبادرة، وفق ما رشح من معطيات، على مقاربة تدريجية تبدأ بتوحيد المؤسسات السيادية والحكومة، وضمان استقرار قطاع النفط، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، إلى جانب تعزيز التنسيق الأمني بين شرق ليبيا وغربها، قبل الانتقال إلى ترتيبات سياسية أوسع.

وكان بولس قد أشار في تصريحات سابقة إلى أن هذا المسار انطلق منذ أكثر من عام، مؤكداً أن بعض مراحله دخلت بالفعل حيز التنفيذ، من بينها اعتماد موازنة موحدة، وتنظيم تدريبات عسكرية مشتركة، وإنشاء غرف عمليات أمنية تضم ممثلين عن مختلف الأطراف الليبية.

ويرى متابعون أن هذه الخطوات تعكس توجهاً عملياً نحو تقليص الانقسام المؤسساتي، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن ترتيب للأولويات يضع الملفات الأمنية والمالية في المقدمة، فيما تُرحّل القضايا السياسية الأكثر حساسية إلى مراحل لاحقة.

وتتضمن الخطة، بحسب ما يتم تداوله، دمجاً تدريجياً للمؤسسات المنقسمة، وفي مقدمتها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، تمهيداً لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية عبر حكومة موحدة ومجلس رئاسي جديد.

غير أن أكثر بنود المبادرة إثارة للنقاش يتعلق بآلية تشكيل السلطة المقبلة، إذ تتحدث تسريبات عن توزيع المناصب التنفيذية والسيادية وفق تفاهمات بين مراكز النفوذ المحلية وبدعم خارجي، بدلاً من ربطها مباشرة بعملية انتخابية تمنح الشرعية للمؤسسات الجديدة.

ويحذر معارضو هذا المسار من أن التركيز على تقاسم السلطة بين القوى القائمة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بصيغة جديدة، عبر الإبقاء على التوازنات الحالية ومنحها غطاءً مؤسساتياً، دون إحداث تحول حقيقي في بنية النظام السياسي.

كما يثير الجدول الزمني المقترح للمبادرة تساؤلات إضافية، إذ تشير المعطيات المتداولة إلى إمكانية تشكيل حكومة توافقية بحلول ديسمبر 2026، تليها انتخابات برلمانية في منتصف عام 2027، مع إرجاء الانتخابات الرئاسية إلى حين التوافق على القاعدة الدستورية.

ويعتبر كثير من المراقبين أن تأجيل الاستحقاق الرئاسي قد يطيل عمر المرحلة الانتقالية، ويمنح القوى السياسية والعسكرية القائمة مزيداً من الوقت للحفاظ على مواقعها، في وقت يرى فيه قطاع واسع من الليبيين أن انتخاب رئيس للدولة يمثل خطوة أساسية لاستعادة الشرعية وإنهاء حالة الانقسام.

وتحتل الموازنة العامة الموحدة مكانة محورية في المقاربة الأميركية، بعدما أقرت ليبيا في أبريل 2026 أول موازنة موحدة منذ أكثر من عقد، بقيمة بلغت نحو 190 مليار دينار ليبي، أي ما يعادل قرابة 30 مليار دولار، موزعة بين الإنفاق على الرواتب، والتنمية، والدعم، وتمويل المؤسسة الوطنية للنفط.

ورغم أهمية هذا التطور، يرى خبراء أن نجاحه يبقى رهيناً بوجود منظومة رقابة فعالة على الإنفاق العام، إذ إن توحيد الموازنة لا يعني تلقائياً توحيد الدولة، ما دامت الموارد المالية عرضة للتجاذبات السياسية أو تستخدم للحفاظ على توازنات القوى المتنافسة.

ومن منظور واشنطن، تمثل ليبيا أهمية استراتيجية تتجاوز بعدها الداخلي، فهي تعد مصدراً مهماً للطاقة، وساحة تنافس إقليمي ودولي، فضلاً عن موقعها الجيوسياسي في شمال إفريقيا.

لذلك، تبدو المبادرة الأميركية، بالنسبة لعدد من المحللين، مرتبطة أيضاً بضمان استقرار إنتاج النفط، وتأمين المؤسسات المالية، وتهيئة الظروف أمام توسع الاستثمارات، خصوصاً في قطاع الطاقة.

وفي المقابل، يرى كثير من الليبيين أن المدخل الحقيقي للاستقرار لا يكمن فقط في حماية تدفق النفط أو إعادة ترتيب المؤسسات، بل في بناء نظام سياسي يتمتع بشرعية انتخابية، ويخضع لمبادئ الشفافية والمساءلة، بما يضمن إدارة الثروات الوطنية عبر مؤسسات منتخبة.

وفي المحصلة، تعكس مبادرة مسعد بولس رؤيتين مختلفتين لمستقبل ليبيا؛ الأولى تعطي الأولوية لترسيخ الاستقرار عبر التفاهم مع القوى الفاعلة على الأرض وتأمين المصالح الاقتصادية والأمنية، بينما تدعو الثانية إلى انتقال سياسي شامل يستند إلى الإرادة الشعبية ويؤسس لدولة مؤسسات تنهي مرحلة الانقسام والسلطات المؤقتة.

ويبقى نجاح أي مبادرة دولية مرهوناً بقدرتها على تجاوز منطق إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها العميقة، وفي مقدمتها أزمة الشرعية، وتعدد مراكز القرار، وغياب مؤسسات موحدة قادرة على فرض سيادة القانون وإدارة الدولة بصورة مستقرة ومستدامة.

https://anbaaexpress.ma/ny3u6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى