تشهد المملكة المغربية، في السنوات الأخيرة، مرحلة غير مسبوقة من الحضور الإقليمي والدولي، مدعومة بمكاسب دبلوماسية واقتصادية واستراتيجية عززت مكانتها كشريك موثوق لدى عدد من القوى الدولية.
وفي خضم هذا الزخم، عاد ملف “بيغاسوس” إلى الواجهة عبر تحقيق إعلامي جديد، ما يثير تساؤلات حول توقيت نشره وخلفياته السياسية والإعلامية.
لم يكن مفاجئاً أن يعود اسم المغرب إلى واجهة الجدل الدولي عبر تحقيق جديد حول برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس”، لكن اللافت هذه المرة ليس مضمون الاتهامات بقدر ما هو توقيت نشرها، الذي يتزامن مع مرحلة دقيقة من إعادة تشكيل العلاقات الاستراتيجية بين الرباط وباريس، في ظل تقارب غير مسبوق بين البلدين، وبشكل قوي، وفي وقت تشهد فيه المملكة زخماً دبلوماسياً على مختلف الأصعدة.
التحقيق الذي نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، وشاركت فيه عدة وسائل إعلام، يقدم رواية تستند، بحسب ما ورد فيه، إلى وثائق وشهادات ومصادر، ويعتمد في عدد من خلاصاته على تحليلات تقنية وربط للأحداث، لكنه لا يقدم أحكاماً قضائية نهائية تثبت مسؤولية الدولة المغربية عن الاتهامات الواردة فيه.
كما أن التحقيق صيغ بعبارات من قبيل: “يُرجح”، و”يُعتقد”، و”وفق مصادر”، وهي تعابير تعكس أن ما ورد فيه يبقى في إطار الاستنتاجات الصحفية التي لم تُحسم قضائياً.
واللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي يُثار فيها هذا الملف. فمنذ سنة 2021 تتكرر التقارير نفسها تقريباً، مع إضافة معطيات أو شهادات جديدة، في حين ظل المغرب ينفي هذه الاتهامات ذات الطابع الافتراءي ويعتبرها غير مؤسسة، كما سبق أن لجأ إلى القضاء للطعن في ما نُشر بشأنها.
وللإشارة في ظل هذه الضجة الإعلامية، من حق أي متابع أن يتساءل: لماذا يعود الملف بقوة الآن؟ ولماذا في هذا التوقيت تحديداً؟ وهل اختيار هذا الظرف مجرد صدفة، أم أنه يتزامن مع التحولات التي تعرفها العلاقات المغربية الفرنسية، خصوصاً في ظل التقارب السياسي والاقتصادي المتسارع بين البلدين؟ تبقى هذه أسئلة مشروعة تستحق النقاش بشكل جدي.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن المغرب يعيش، خلال السنوات الأخيرة، مرحلة حضور دولي لافت، من خلال مكاسبه الدبلوماسية في قضية الصحراء المغربية، واستقطابه للاستثمارات الكبرى، واستعداده لاحتضان تظاهرات رياضية عالمية، إلى جانب تعميق شراكاته مع عدد من القوى الدولية.
ولهذا، فمن الطبيعي أن يصبح أي بلد يحقق هذا الحضور محط اهتمام إعلامي وسياسي متزايد، وأن يخضع لقدر أكبر من التدقيق والنقد.
وجدير بالذكر أن قوة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على تحقيق الإنجازات، بل أيضاً بقدرتها على التعامل مع الاتهامات والضغوط وفق منطق المؤسسات والقانون والشفافية. أما الرأي العام، فيبقى مطالباً بالتفريق بين ما هو ثابت بحكم القضاء، وما هو استنتاج صحفي قابل للنقاش والمراجعة.
واليوم، وبعد خمس سنوات من بداية قضية “بيغاسوس”، لا تزال التحقيقات والاتهامات والردود السياسية مستمرة، في حين لم يصدر حكم قضائي دولي يحسم مجمل الادعاءات والافتراءات المتداولة بشأن هذا الملف.
ولهذا، فإن التعامل مع مثل هذه التقارير يقتضي قدراً من التروي، بعيداً عن التسليم المطلق بما تنشره أي جهة، أو الرفض المطلق لها، إلى أن تتضح الحقائق عبر المسارات القانونية والمؤسساتية.
وفي هذا السياق، يرى كثير من المتابعين أن تصاعد الحضور المغربي على الساحة الدولية يجعل المملكة عرضة لحملات إعلامية مكثفة، خصوصاً من بعض المنابر التي تتبنى قراءات نقدية حادة للسياسات المغربية.
ويذهب بعض المحللين إلى الربط بين توقيت هذه التقارير وبين التطورات التي تعرفها العلاقات المغربية الفرنسية، خاصة مع الحديث عن اتفاقيات استراتيجية مرتقبة بين الرباط وباريس، توصف بأنها تاريخية.
لهذا، يبقى المؤكد أن مكانة المغرب الإقليمية والدولية أصبحت محل متابعة واهتمام واسع، وأن أي ملف يرتبط به يثير نقاشاً كبيراً داخل الأوساط الإعلامية والسياسية.
وبين الاتهامات والردود، تظل الحقيقة رهينة بما تثبته المؤسسات القضائية والوقائع الموثقة، بينما سيواصل المغرب، وفق مؤيديه، تعزيز حضوره وشراكاته الاستراتيجية بثقة وثبات.
كما أكد الوزير الأول الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، من الرباط أمس الخميس، أن العلاقات المغربية الفرنسية دخلت مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، معلناً أن الزيارة المرتقبة للملك محمد السادس إلى باريس ستُتوَّج بتوقيع معاهدة صداقة غير مسبوقة، من شأنها الارتقاء بالتعاون الثنائي إلى مستوى جديد يتجاوز الاتفاقات السابقة.




