تقاريرسياسة
أخر الأخبار

اليمين المتطرف الأوروبي.. يعيد تموضعه تجاه إسرائيل تحت ضغط المزاج الشعبي

اللافت أن هذا التحول لا يقتصر على أوروبا، بل يمتد إلى الولايات المتحدة، حيث تظهر مؤشرات مشابهة على تغير توجهات الناخبين، خاصة ممن هم دون سن الخمسين، ما ينذر بإعادة رسم خريطة المواقف السياسية تجاه إسرائيل على المدى المتوسط..

تشهد العلاقة بين إسرائيل وأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا تحولات لافتة خلال الفترة الأخيرة، في سياق تغيرات أعمق تطال المزاج العام للناخبين، خصوصاً فئة الشباب. فبعد سنوات من التقارب القائم على تقاطعات أيديولوجية وسياسية، بدأت مؤشرات التباعد تظهر تدريجياً، مدفوعة بتزايد الانتقادات للسياسات الإسرائيلية في المنطقة.

ويرى الخبير في السياسات الدولية شاييل بن إفرايم أن هذا التحول لا يعكس انقلاباً مفاجئاً في مواقف هذه الأحزاب، بقدر ما يعبر عن استجابة تكتيكية لضغوط داخلية متنامية. ويؤكد أن أحزاباً كانت تُصنّف تقليدياً ضمن الداعمين لإسرائيل، تجد نفسها اليوم أمام قاعدة انتخابية أكثر حساسية تجاه ما يجري في قطاع غزة، ما يفرض عليها مراجعات تدريجية في خطابها السياسي.

هذا التغير بدأ يبرز في عدد من الدول الأوروبية، حيث لم يعد الموقف من إسرائيل ملفاً هامشياً، بل تحول إلى عامل مؤثر في السلوك الانتخابي. ففي بعض الحالات، كما يشير بن إفرايم، فقدت أحزاب يمينية متطرفة جزءاً من شعبيتها بسبب تمسكها بمواقف داعمة للعمليات العسكرية الإسرائيلية، وهو ما يعكس انتقال القضية من دائرة السياسة الخارجية إلى صلب النقاش الداخلي.

وتزامن هذا التحول مع تداعيات الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023، والتي خلفت أعداداً كبيرة من الضحايا ودماراً واسعاً في البنية التحتية، ما عمّق من حدة الانتقادات الدولية. ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، فإن استمرار الخروقات ساهم في إبقاء الملف حاضراً في الوعي العام، خصوصاً لدى الأجيال الشابة الأكثر تفاعلاً مع القضايا الإنسانية عبر الفضاء الرقمي.

في هذا السياق، يبرز اسم خيرت فيلدرز كأحد النماذج الدالة، إذ يُعرف بمواقفه المؤيدة لإسرائيل، غير أن التحولات الحالية لا تستهدف بالضرورة تغيير مواقف القيادات، بقدر ما تعكس تغيراً في المزاج الشعبي الذي يضغط من الأسفل. فالشباب الأوروبي، وفق التحليل ذاته، بات أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، وهو ما ينعكس تدريجياً على توجهات الأحزاب، خاصة في أوروبا الشرقية.

العلاقة بين إسرائيل وهذه الأحزاب لم تكن، في الأصل، قائمة على تحالف استراتيجي متماسك، بل على تقاطعات ظرفية، أبرزها المواقف المشتركة تجاه قضايا الهجرة والإسلام. وهو ما يجعلها، بطبيعتها، علاقة هشة وقابلة لإعادة التشكّل وفق تغير السياقات السياسية والاجتماعية.

ورغم ذلك، استثمرت الحكومات الإسرائيلية، خاصة خلال فترات حكم بنيامين نتنياهو، في تعزيز هذه الروابط، من خلال بناء قنوات تواصل مع شخصيات بارزة مثل فيكتور أوربان في المجر، ومارين لوبان في فرنسا. كما واصل مسؤولون، من بينهم وزير شؤون الشتات عمحاي شيكلي، الدفع في اتجاه توسيع هذه العلاقات، رغم الانتقادات الداخلية التي ترى في هذا النهج مخاطرة سياسية.

غير أن هذه الاستراتيجية بدأت تواجه تحديات متزايدة، ليس فقط بسبب تغير مواقف الناخبين، بل أيضاً نتيجة ما يُنظر إليه داخل بعض الأوساط الإسرائيلية كإضرار بالعلاقات مع الأحزاب التقليدية الأكثر استقراراً. ويشير بن إفرايم إلى أن التمسك بهذه المقاربة، رغم محدودية نتائجها، يعكس محاولة لتفادي الاعتراف بفشل جزئي في إدارة هذا الملف.

اللافت أن هذا التحول لا يقتصر على أوروبا، بل يمتد إلى الولايات المتحدة، حيث تظهر مؤشرات مشابهة على تغير توجهات الناخبين، خاصة ممن هم دون سن الخمسين، ما ينذر بإعادة رسم خريطة المواقف السياسية تجاه إسرائيل على المدى المتوسط.

في المحصلة، تبدو العلاقة بين إسرائيل واليمين المتطرف الأوروبي في مرحلة إعادة تعريف، حيث لم تصل بعد إلى القطيعة، لكنها تتحرك بثبات نحو مسافة أكبر، تحت ضغط رأي عام يتغير بسرعة، ويعيد ترتيب أولوياته وفق معايير جديدة تتجاوز الحسابات الأيديولوجية التقليدية.

https://anbaaexpress.ma/kmmnv

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى