في سياق التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعيد تشكيل موازين القوى والعلاقات الدولية، دعا مركز دراسات بريطاني إلى الارتقاء بالعلاقات بين المغرب والمملكة المتحدة إلى مستوى شراكة استراتيجية أكثر تكاملاً وعمقاً، تستجيب لتحديات المرحلة وتستثمر الفرص المتاحة.
الدراسة، التي أعدها مركز متخصص تابع لمؤسسة بحثية بريطانية، حملت عنواناً يعكس طموحها في إعادة رسم ملامح التعاون الثنائي، حيث ركزت على ضرورة الانتقال من علاقات تقليدية إلى شراكة متعددة الأبعاد، قائمة على المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي والأمني والسياسي.
زخم متجدد في العلاقات الثنائية
تشير الدراسة إلى أن العلاقات المغربية البريطانية، رغم امتدادها التاريخي، تشهد خلال السنوات الأخيرة دينامية متصاعدة، مدفوعة بتقارب في الرؤى وتطور في المواقف السياسية.
ويبرز في هذا السياق الموقف البريطاني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لحل نزاع الصحراء، باعتبارها خياراً واقعياً وجاداً، وهو ما اعتبرته الوثيقة تحولاً نوعياً فتح آفاقاً جديدة للتعاون.
هذا التقارب السياسي انعكس بشكل مباشر على الجانب الاقتصادي، حيث ارتفع اهتمام الشركات البريطانية بالسوق المغربية، خاصة في مجالات حيوية مثل الطاقة والبنية التحتية والخدمات المالية، في ظل بيئة استثمارية توصف بالواعدة والمستقرة.
المغرب كفاعل إقليمي محوري
تولي الدراسة أهمية خاصة لمكانة المغرب الإقليمية، معتبرة أنه نجح خلال العقدين الماضيين في ترسيخ موقعه كأحد الفاعلين الأساسيين في إفريقيا.
ويعزى ذلك إلى استقرار مؤسساته السياسية واعتماده إصلاحات تدريجية شملت مختلف القطاعات، ما مكّنه من تبني سياسة خارجية مرنة تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز الحضور الدولي.
وترى الوثيقة أن هذا النهج جعل من المغرب شريكاً موثوقاً لعدد من القوى العالمية، بما في ذلك الولايات المتحدة ودول أوروبية عدة، وهو ما يعزز فرص تطوير علاقته مع بريطانيا في إطار شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
مسار إصلاحي يعزز الجاذبية
وتتوقف الدراسة عند مسار الإصلاح الذي عرفه المغرب منذ بداية الألفية، مشيرة إلى أن البلاد اختارت نموذجاً قائماً على التحديث التدريجي، تم تجسيده من خلال إصلاحات دستورية ومؤسساتية عززت دور المؤسسات المنتخبة ووسعت من هامش الحقوق والحريات.
كما شملت هذه الإصلاحات تحديث منظومة العدالة وتعزيز مبادئ التعددية، وهو ما ساهم، بحسب التقرير، في تعزيز صورة المغرب كشريك مستقر وموثوق في منطقة تعرف تقلبات سياسية وأمنية متكررة.
البعد الديني كعامل استقرار
وفي جانب آخر، تسلط الدراسة الضوء على الخصوصية الدينية للنموذج المغربي، حيث يلعب الملك دوراً محورياً في ترسيخ خطاب ديني معتدل قائم على الوسطية والانفتاح.
وتشير إلى أن المغرب طور برامج متقدمة لتكوين الأئمة وتبادل الخبرات الدينية مع عدد من الدول، في إطار جهود مواجهة التطرف وتعزيز قيم التعايش.
وترى الوثيقة أن هذا البعد يشكل ركيزة إضافية للتعاون مع بريطانيا، خاصة في مجالات مكافحة التطرف وتعزيز الأمن الفكري.
اقتصاد متحول ومندمج عالمياً
اقتصادياً، تقدم الدراسة قراءة مفصلة لمسار التحول الذي شهده المغرب، حيث حقق تقدماً ملحوظاً في تطوير بنيته التحتية وتعزيز قدراته الصناعية والخدماتية.
وتبرز في هذا السياق مشاريع كبرى ساهمت في ترسيخ موقعه كمنصة لوجستية إقليمية، إلى جانب تطور قطاعي الصناعة والخدمات المالية.
كما تشير إلى صعود قطاعات صناعية متقدمة، مثل صناعة السيارات والطيران، إضافة إلى توسع الاستثمار في الطاقات المتجددة والتكنولوجيا الرقمية، وهو ما يعكس تحول الاقتصاد المغربي إلى نموذج أكثر تنوعاً واندماجاً في سلاسل القيمة العالمية.
وتؤكد الدراسة أن هذه الدينامية الاقتصادية تجعل من المغرب وجهة جذابة للاستثمارات البريطانية، خاصة في ظل التغيرات التي تعرفها سلاسل الإمداد العالمية بعد الأزمات الأخيرة.
دور دبلوماسي وأمني متقدم
على المستوى الدبلوماسي، تعتبر الوثيقة أن المغرب يلعب دوراً محورياً كجسر يربط بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، مستفيداً من موقعه الجغرافي وشبكة علاقاته الدولية الواسعة.
كما تبرز مساهمته في جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون الأمني، إضافة إلى دوره في دعم استقرار منطقة الساحل.
وفي هذا الإطار، تشير الدراسة إلى مبادرات إقليمية أطلقها المغرب لتعزيز الاندماج الاقتصادي في إفريقيا، معتبرة أنها تعكس رؤية استراتيجية تسعى إلى توسيع مجالات التعاون جنوب-جنوب.
آفاق جديدة للتعاون الثنائي
على صعيد العلاقات الثنائية، تؤكد الدراسة أن التعاون بين الرباط ولندن شهد تطوراً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، مع توقيع اتفاقيات تشمل مجالات متعددة، من بينها الأمن والدفاع والتجارة والطاقات المتجددة وتدبير الموارد المائية.
كما يمتد هذا التعاون إلى مشاريع مرتبطة بالأحداث الرياضية الكبرى، وهو ما يعكس تنوع مجالات الشراكة وإمكانيات توسيعها مستقبلاً.
وترى الوثيقة أن الدعم البريطاني للموقف المغربي في قضية الصحراء شكل نقطة تحول أساسية، وأسهم في فتح مرحلة جديدة من التقارب السياسي والاقتصادي.
توصيات لتعزيز الشراكة
وفي ختامها، تقدم الدراسة مجموعة من التوصيات الرامية إلى تعميق التعاون بين البلدين، من بينها العمل على إبرام اتفاق تجارة حرة شامل يساهم في إزالة الحواجز الجمركية والتنظيمية، وتوسيع مجالات التعاون في الأمن البحري ومكافحة الإرهاب.
كما تدعو إلى تعزيز التبادل الأكاديمي والثقافي، عبر إطلاق برامج مشتركة في التعليم والتكوين، مع إمكانية إنشاء مؤسسات تعليمية بريطانية في المغرب.
شراكة تتجاوز الإطار التقليدي
تخلص الدراسة إلى أن العلاقات المغربية البريطانية لم تعد تقتصر على الطابع الدبلوماسي التقليدي، بل باتت تمثل نموذجاً لشراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تجمع بين المصالح الاقتصادية والتحديات الأمنية والرهانات الثقافية.
وفي ظل التحولات الدولية الراهنة، ترى الوثيقة أن البلدين يمتلكان المقومات اللازمة لبناء شراكة متقدمة، قادرة على الإسهام في تعزيز الاستقرار الإقليمي وإعادة صياغة أنماط التعاون بين الشمال والجنوب.





تعليق واحد