أعادت معلومات حول قيام وحدة متخصصة في الحرب الإلكترونية بالجيش الإسباني باعتراض اتصالات مرتبطة بعناصر مغربية، ملف العلاقات الأمنية بين مدريد والرباط إلى واجهة النقاش، في وقت تتواصل فيه تداعيات أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة.
وتكتسب القضية حساسية خاصة بالنظر إلى طبيعة الجهة التي كانت الاتصالات مرتبطة بها، وإلى الموقع الذي يحتله المغرب في المنظومة الأمنية الإسبانية.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسبانية، فإن فوج الحرب الإلكترونية رقم 32 (REW-32)، التابع للجيش البري الإسباني، تمكن من التقاط اتصالات لعناصر مغربية خلال الفترة التي سبقت وصول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى سبتة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن تقريراً استخباراتياً حمل اسم «Sigintrep 01/2026» تضمن تحذيرات من احتمال وقوع دخول جماعي إلى المدينة قبل أيام من اندلاع الأزمة.
وتشير المعلومات المنشورة إلى أن المعطيات لم تصل إلى الجانب الإسباني عبر قنوات التعاون الأمني المعتادة، وإنما جرى الحصول عليها من خلال اعتراض اتصالات.
وهو ما يسلط الضوء على طبيعة عمل الوحدات الإسبانية المختصة في الاستخبارات الإلكترونية، وعلى مستوى المتابعة التي تخضع لها التحركات والاتصالات المرتبطة بالجانب المغربي في المنطقة الحدودية.
وتتحدث المعطيات نفسها عن تعليمات وردت في الاتصالات التي تم اعتراضها بشأن رفع درجة اليقظة تحسباً لمحاولات عبور من أكثر من مسار، بما في ذلك السياج الحدودي والبحر.
وبعد إعداد التقرير من طرف الوحدة العسكرية المختصة، أُحيلت المعلومات إلى أجهزة الاستخبارات العسكرية من أجل تحليلها وتقييم دلالاتها.
سبتة تعيد طرح سؤال الإنذار المسبق
تأتي هذه التطورات في سياق كانت فيه سبتة تعيش حالة من التوتر المتزايد، فيما كانت المؤسسات الإسبانية تتابع المؤشرات المتعلقة بإمكانية حدوث تدفق جماعي للمهاجرين.
وقد تحولت الأزمة لاحقاً إلى موضوع سجال سياسي واسع داخل إسبانيا، خصوصاً بشأن ما إذا كانت السلطات قد تلقت تحذيرات مسبقة، وكيف تعاملت معها.
لكن المعطيات الجديدة توسع نطاق النقاش. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بما إذا كانت مدريد قد كانت على علم مسبق باحتمال وقوع موجة وصول جماعي، بل أيضاً بالطريقة التي حصلت بها بعض الأجهزة الإسبانية على تلك المعلومات.
وهنا يبرز البعد الأكثر حساسية في الملف: الحديث عن اعتراض اتصالات مرتبطة بعناصر مغربية في وقت تصر فيه مدريد رسمياً على أهمية التعاون الأمني مع الرباط، خصوصاً في ملفات الهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب وحماية الحدود.
شراكة استراتيجية أم استمرار لمنطق المراقبة؟
منذ إعادة إطلاق العلاقات المغربية الإسبانية على أسس جديدة، حرصت الحكومتان على تقديم التعاون الثنائي باعتباره شراكة استراتيجية تتجاوز الخلافات الظرفية. كما أصبح المغرب أحد أبرز الشركاء الأمنيين لإسبانيا في محيطها المتوسطي والأطلسي.
غير أن الكشف عن عمليات اعتراض اتصالات مرتبطة بالجانب المغربي يطرح تساؤلات حول مستوى الثقة الفعلية بين المؤسسات الأمنية والعسكرية في البلدين، بعيداً عن الخطاب السياسي والدبلوماسي.
فوجود تعاون رسمي واسع لا يعني بالضرورة اختفاء منطق المراقبة المتبادلة داخل الأجهزة الأمنية، إلا أن الكشف عن مثل هذه العمليات يسلط الضوء على الفجوة المحتملة بين مستوى التنسيق الذي تعكسه التصريحات الرسمية، وطبيعة العمل الاستخباراتي الذي قد يستمر خلف الكواليس.
كما أن توقيت هذه المعلومات، المرتبط بأزمة سبتة، يمنحها بعداً سياسياً إضافياً، خصوصاً أن المغرب كان خلال الأزمة موضوع انتقادات واتهامات من بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، في حين بقيت المسؤوليات الدقيقة عن مختلف جوانب الأزمة محل نقاش داخل إسبانيا.
القضية تتجاوز أزمة الهجرة
وبذلك، لا تبدو أهمية هذه المعطيات محصورة في مسألة التحذيرات التي سبقت أحداث سبتة. فالمثير في القضية هو أيضاً الكشف عن الوسائل الاستخباراتية التي استُخدمت للحصول على بعض المعلومات المتعلقة بالجانب المغربي.
ويفتح ذلك نقاشاً أوسع حول طبيعة العلاقة الأمنية بين البلدين: إلى أي حد يمكن الحديث عن شراكة استراتيجية حقيقية، في الوقت الذي تواصل فيه بعض المؤسسات الأمنية والعسكرية التعامل مع اتصالات مرتبطة بالشريك المغربي باعتبارها هدفاً للاعتراض والتحليل؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل تشابك المصالح الأمنية بين الرباط ومدريد، من مكافحة الهجرة غير النظامية إلى محاربة شبكات الاتجار بالبشر والجريمة المنظمة والإرهاب، فضلاً عن الملفات المرتبطة بأمن المتوسط والأطلسي.
وفي النهاية، فإن القضية لا تتعلق فقط بما إذا كانت إسبانيا قد تلقت تحذيراً مسبقاً بشأن أزمة سبتة، بل تكشف جانباً أقل ظهوراً في العلاقات المغربية الإسبانية: التعايش بين خطاب التعاون الاستراتيجي من جهة، واستمرار أدوات الرصد والاستخبارات من جهة أخرى.
وهي مفارقة تطرح أسئلة جدية حول حدود الثقة بين شريكين يقدمان علاقاتهما الأمنية باعتبارها إحدى ركائز الاستقرار في المنطقة.




