آراءسياسة
أخر الأخبار

“قسد” تنهي حلم الدّولة الموازية

سيسجل التاريخ ذلك المشهد الذي تقدم به القيادي الكردي مظلوم عبدي معلنا حلّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد). أظهر الحدث نهاية أحلام خُيّل أن الظروف الجيوسياسية السابقة وفّرت بيئةَ تحّققٍ لها قبل أن يتفاجئ عبدي وصحبه، كما تفاجئ يوما الزعيم الكردي في العراق مسعود برزاني بأن ما رمى إليه من استفتاء استقلال عام 2017، بأن هدف الانفصال وقفت دونه إرادات كبرى وظروف جيوسياسية رادعة.

ارتضت نهاية صلاحيتها والذوبان في مؤسسات دولة لم تكن، إلى أمس قريب، تعترف بشرعيتها الكاملة. بعد 11 عاما من تجربة “الإدارة الذاتية” في شمال شرق سوريا وشرقها، أعلن عبدي حلّ “قسد” وكل أذرعها العسكرية والمدنية، منهيا فصلا طويلا من الانفصال الفعلي عن دمشق، ومتطوّعا للانخراط داخل دولة يعيد الرئيس أحمد الشرع تأهيل هيبتها المركزية.

بدا إعلان مظلوم، في الشكل والمضمون وتعليقات ضيوف الفضائيات، الكرد “بلا تحفظ”. لم يكن الأمر وليد لحظة بل نتاج إنهاك تراكم عاما بعد عام، كان أقساها مواجهات مع الجيش السوري كشفت لقادة الإدارة الذاتية أن الزمن لم يعد في صالحهم، وأن العملية العسكرية التي أخرجت وجودهم العسكري من حلب ودير الزور والرقة وحاصرته في جزء من الحسكة، أظهرت أن الأمر الواقع الجديد سوريّ الأدوات يجري تحت اعين عواصم إقليمية ودولية معنيّة “راضية وراعية”.

جاء المرسوم الرئاسي رقم 13، بما تضمنه من اعتراف بحقوق ثقافية للأكراد، ليقترح أمام الكرد والقضية الكردية عرضا تاريخيا غير مسبوق يُسهّل على الرافضين والمشككين والمتحفظين هضم الاندماج واستحسان مذاقه بوصفه مكسبا لا استسلاما وإدراجه في مقام الانتصار.

فيما تعيين عبدي مستشارا رئاسيا وقبله القيادي سيبان حمو نائبا لوزير وتوزيع قيادات أخرى على المؤسسات الدستورية يدشًن مرحلة جديدة في وجود الكرد ودورهم في سوريا

يطوي الكرد في سوريا، عمليا، حلم الكيان المنفصل، ويقبلون بصيغة “الحقوق داخل الدولة الواحدة” بدل “الدولة داخل الدولة”. يرتبط الحدث حتما بإطلاق الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في شباط 2025 دعوة تاريخية لحزبه لإلقاء السلاح وحل نفسه، وهو ما نفّذه الحزب رسمياً في أيار من نفس العام. جاء ذلك خدمة لمسار تسوية تركي لا يمكن أن ينفصل عن المسار السوري.

يبقى العامل الأميركي الأكثر دلالة في قراءة هذا الانعطاف. عقد كامل من الدعم المباشر لـ”قسد” بوصفها الشريك الأول في محاربة “داعش” لم يمنع واشنطن من مباركة حلّها واندماجها في الجيش السوري. أدرك الكرد أن الرهان على حماية أميركية دائمة كان دوما رهانا وظيفيا مرتبطا بحرب بعينها، لا التزاما استراتيجيا بقضيتهم.

كان مسعود برزاني قد استنتج ذلك أيضا قبل سنوات. تغيرت أولويات واشنطن، وتقدّمت تركيا كشريك أوثق لترتيب المشهد السوري الجديد، ولم يعد أمام الإدارة الذاتية سوى القبول بالواقع الجديد.

كان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بادر في أوائل نوفمبر 2024، أي قبل أسابيع من بدء عملية “ردع العدوان” لهيئة تحرير الشام في 27 من ذلك الشهر، إلى الوعد بالتزام إسرائيل بالدفاع عن كرد في سوريا.

تخسر إسرائيل بهذا الاندماج ورقة طالما استثمرت فيها. تبدد رهان التفكيك عن طريق الكرد وهو آيل إلى تبدد عن طريق دروز السويداء. والأرجح أن تل أبيب لن تسلّم بالأمر الواقع بسهولة، وستراقب أي ثغرة في التنفيذ لإبقاء الملف حيّا، على الرغم من أن الظرف الإقليمي والدولي، بتقاطع المصالح التركية الأميركية هذه المرة، أقل تقبّلا لتدخل من هذا النوع.

في سوريا من يرى أن حلّ “قسد” يشكّل سابقة يُراد لها أن تكون نموذجا يُحتذى في ملفات الانقسام الأخرى، من الساحل إلى السويداء. فإذا أمكن إقناع أكبر تشكيل عسكري موازٍ للدولة بتسليم سلاحه مقابل ضمانات دستورية وإدارية، فإن الرسالة موجّهة أيضا إلى الفصائل الدرزية والأطر المحلية في الساحل، بأن مشروع حصر السلاح بيد الدولة لن يستثني أحدا.

بالمقابل فان التجربة الكردية تبقى اختبارا، فنجاح الاندماج يرتبط بمدى التزام دمشق بترجمة الوعود إلى واقع إداري ودستوري ملموس، بحيث تكون المشاركة حقيقية جادة، ويرتبط بمدى التزام الكرد العقائدي بسوريا وطنا نهائيا داخل حدود البلد.

يتزامن إعلان “قسد” مع خروج سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد نحو نصف قرن من العزلة، وبدء مسار إعادة اندماجها في النظام المالي الدولي.

يحتاج الانفتاح الاقتصادي الذي تسعى إليه دمشق إلى صورة دولة موحدة السلاح والقرار لا دولة تتقاسمها ميليشيات وإدارات موازية.

والمستثمر الذي تتوق دمشق لاستقطابه لا يثق إلا بدولة واحدة تتحدث بصوت واحد. حلّ “قسد” عنوان يراهن على سوريا واحدة تستحق مكانا على طاولة التسويات الكبرى في المنطقة.‬

https://anbaaexpress.ma/ejbmp

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى