آراءأفريقيا
أخر الأخبار

الدرون تحسم الخلافة.. كيف حولت المنطقة العازلة إلى مقصلة لأبناء القيادة

د. الحسين بكار السباعي 

لم يكن تصريح إبراهيم غالي بأن المغرب “أعادنا إلى سنة 1975” زلة لسان عابرة في مؤتمر الجبهة الإنفصالية، بل إعتراف ضمني بفشل مشروع إستمر لنصف قرن.

ليتزامن هذا الإعتراف مع تصعيد لحبيب محمد عبد العزيز نجل الزعيم الأسبق، إلى قيادة لواء الإحتياط وترشيحه خليفة محتمل لغالي. لكن مسيرة مغربية حسمت المشهد بضربة دقيقة في المنطقة العازلة.

لم يكن هذا الحادث مجرد عمل عسكري، بل واقعة أعادت الى الواجهة آلية التضحية السياسية غير المباشرة التي أطاحت بالوالي مصطفى السيد عام 1976، لتكشف كيف تحولت المنطقة العازلة شرق الجدار الرملي إلى ساحة نظيفة لتصفية أبناء القيادات من الشباب الطامحين إلى التغيير، تحت غطاء الردع العسكري وصراع الأجنحة داخل قيادات الحرس القديم.

لقد تحول الحبيب الشاب القادم من كارتيل تندوف إلى قائد ميداني للواء الإحتياط القتالي الأول في لحظة قصيرة، والذي راهن عليه جيل ولد ونشأ تحت الحصار والإحباط، ووعى بضرورة الخلاص من قبضة الخطاب التقليدي.

جيل منفتح على العالم عبر وسائل التواصل الرقمي، رأى في لحبيب القدرة على كبح الحركات الإحتجاجية الشبابية المطالبة بالحق في التنقل والكرامة والخروج من دائرة العزلة الجغرافية والسياسية.

لكن هذا الرهان إنتهى بضربة واحدة، لتفتح مسالة مقتله نقاشا جديدا حول التاريخ الأسود للتصفيات السياسية الصامتة داخل الجبهة الإنفصالية.

يتطابق اليوم المشهد السوريالي لمقتل لحبيب مع سيناريو تصفية مؤسس الجبهة الوالي مصطفى السيد في 9 يونيو 1976 خلال الهجوم الإنتحاري على نواكشوط، بينما تسوق الدعاية الرسمية الضحايا “كـشهداء”، تؤكد المذكرات والقراءات السياسية أن الوالي جرت التضحية به بعد إبدائه مرونة لفتح قنوات حوار مع المغرب، ومحاولة التخلص من هيمنة إقليمية صادرت قرار الجبهة.

ذات “التضحية السياسية غير المباشرة” تكررت بحذافيرها مع نجل محمد عبد العزيز، الذي مثل رمزية سياسية وإمتدادا لإرث والده، مما جعله منافس شرس شكل خطرا حقيقا على بنية القيادة المعمرة المتشبثة بالوضع القائم.

وتكمن الدلالة السياسية العميقة في طبيعة الدور المسند للحبيب، فقيادته لفيلق إحتياط وليس لقوات نخبة ميدانية تكشف آلية تحضير أبناء القيادات في مخيمات تندوف، حيث تمنحهم هذه التعيينات ألقاب عسكرية رنانة لإضفاء شرعية “نضالية” وهمية تضمن ولاء القواعد، مع إبقائهم تحت المراقبة اللصيقة وتوجيه طموحاتهم بما يخدم إستمرار الوضع الراهن.

دماؤهم إن سالت، توظف لاحقا لإعادة شحن العواطف المهترئة داخل المخيمات وتصدير الأزمات الداخلية المتفجرة إلى الخارج.

ومع التحول التكنولوجي الحاسم، أصبحت المنطقة العازلة شرق الجدار الرملي المغربي منطقة محرمة عسكريا بفعل التفوق الساحق للمسيرات دقيقة التوجيه.

في هذا الباب لم يعد إرسال قيادة بوزن لحبيب الى تلك المحاور واجب عسكري، بل حكم إعدام مدروس بعناية، لتكشف التصفية ملامح المعركة الشرسة التي تهدف إلى ترتيب مرحلة ما بعد إبراهيم غالي، فقد وجدت الأجنحة المتصارعة داخل قيادات الحرس القديم في الردع العسكري المغربي وسيلة نظيفة للتخلص من الطامحين السياسيين الشباب، دون تلطيخ أيديها بدماء تصفيات داخلية علنية قد تفجر المخيمات.

هذه الإستراتيجية تضمن إفراغ الساحة من أي كاريزما شابة قادرة على قيادة تمرد سياسي أو تصحيحي، الأمر الذي يطيل أمد نفوذ الحرس القديم في سباق الخلافة المعقد ويبقي على حالة الارتهان الكامل للاجندات الخارجية.

ختاما، يكشف المسار الممتد من 1976 إلى 2026 حقيقة سياسية ووجودية دامغة، خيانة الوطن جريمة لا تغتفر ولعنة تاريخية وأخلاقية تتبع صاحبها ونسله أينما حل وإرتحل.

كما أن إرتهان قيادات البوليساريو التاريخية لأجندات معادية لوطنهم الأم حولهم وأبناءهم الى بيادق على رقعة الشطرنج الإقليمية.

واليوم يدفع الأبناء ثمن خطايا الأباء فمن نجا من صواريخ المسيرات لن ينجو من مقصلة التصفيات السياسية التي يمارسها رفاق السلاح أنفسهم.

لأن البيئة التي تتأسس على عقيدة الإنفصال والإرتهان للخارج لا تحمي أبناءها بل تلتهمهم عند أول منعرج سياسي، لتظل لعنة خيانة الوطن تطارد هذا الكيان ومكوناته كحتمية تاريخية لا فكاك منها.

* محلل سياسي وخبير إستراتيجي

https://anbaaexpress.ma/e0thn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى