آراءالشأن الإسبانيسياسة
أخر الأخبار

سبتة تكشف إسبانيا الأخرى.. حين تتحول عقدة المغرب إلى صراع داخل الدولة

والمغرب هو الجار الذي يصعب على إسبانيا أن تنظر إليه من دون استحضار التاريخ

هناك أزمات تنتهي بمجرد أن تهدأ الحدود، وهناك أزمات تكشف شيئًا كان موجودًا تحت السطح وينتظر اللحظة المناسبة للظهور. وما حدث في سبتة يبدو أقرب إلى النوع الثاني. فالمسألة لم تعد مجرد تدفق للمهاجرين، ولا مجرد خلاف جديد بين مدريد والرباط، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لطريقة اشتغال الدولة الإسبانية نفسها، ولعلاقتها بجارها المغربي، ولتلك المنطقة الرمادية التي تتداخل فيها السياسة مع الأمن، والسيادة مع الذاكرة، والحاضر مع تاريخ لم يتمكن الطرفان من تجاوزه بالكامل.

في مدريد، لم تعد سبتة مجرد مدينة في أقصى الجنوب الواقعة داخل التراب المغربي. أصبحت قضية سياسية بامتياز. الحكومة تحاول الدفاع عن روايتها وإبعاد نفسها عن اتهامات التقصير، والمعارضة تبحث عن ثغرات تضرب من خلالها بيدرو سانشيز، بينما تتحرك الأجهزة الأمنية والقضائية في مسارها الخاص. وبين هؤلاء جميعًا تقف المؤسسة العسكرية، التي لا تحتاج إلى الدخول في السجال السياسي حتى يكون حضورها في سبتة ومليلية ذا معنى.

المثير في هذه الأزمة أن الخلاف لم يعد فقط حول ما حدث، وإنما حول تفسير ما حدث. هل كان الأمر انفجارًا مفاجئًا لأزمة هجرة؟ هل استغلت جهات ما حالة الارتباك؟ هل كان هناك تقصير في التقدير الأمني؟ أم أن أطرافًا سياسية تحاول الآن استثمار ما وقع أكثر مما تحاول فهمه؟

هذه الأسئلة هي التي جعلت سبتة تنتقل من السياج الحدودي إلى قلب المؤسسات الإسبانية.

ولعل أصعب ما تواجهه حكومة سانشيز هو أنها مطالبة في الوقت نفسه بأن تكون قوية في الداخل وهادئة في الخارج. القوة مطلوبة أمام المعارضة والرأي العام الإسباني عندما يتعلق الأمر بالحدود والسيادة، والهدوء مطلوب في التعامل مع المغرب لأن مدريد تعرف جيدًا أن العلاقة مع الرباط ليست تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه.

فإسبانيا تحتاج إلى المغرب في الهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب والتجارة، وتعرف أن استقرار الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق يدخل مباشرة في حساباتها الأمنية والاستراتيجية. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تتعامل مع سبتة ومليلية وكأنهما مجرد ورقتين في ملف العلاقات الثنائية. بالنسبة إلى جزء كبير من الطبقة السياسية الإسبانية، المسألة مرتبطة بالسيادة، والسيادة في إسبانيا قضية لا تحتمل كثيرًا من المناورة.

هنا تبدأ المشكلة.

المغرب ينظر إلى سبتة ومليلية من زاوية مختلفة تمامًا. فبالنسبة إلى الرباط، لا يتعلق الأمر بمدينتين عاديتين، بل بآخر بقايا الوجود الاستعماري الأوروبي في شمال المغرب. وفي المقابل، ترى مدريد أن الحديث عن الاستعمار لا يفسر وضع المدينتين الحالي، وتصر على أنهما جزء من الأراضي الإسبانية منذ قرون.

وبين الروايتين توجد حقيقة أكثر تعقيدًا من الشعارات.

فسبتة تقع في إفريقيا، لكنها بالنسبة إلى إسبانيا جزء من أوروبا. وهي مدينة صغيرة، لكن موقعها عند مضيق جبل طارق يمنحها قيمة استراتيجية ضخمة. من يملك القدرة على مراقبة هذه المنطقة لا يراقب فقط حركة الأشخاص والبضائع، بل يوجد بالقرب من واحد من أهم الممرات البحرية التي تربط المتوسط بالمحيط الأطلسي.

لهذا السبب لا يمكن فصل سبتة عن الحسابات العسكرية والأمنية.

لكن لا يمكن فصلها أيضًا عن التاريخ.

إسبانيا الحديثة تحمل في ذاكرتها قرونًا من العلاقة المعقدة مع العالم الإسلامي. الأندلس ليست مجرد مرحلة تاريخية انتهت في كتب المدارس، بل جزء من الهوية الإسبانية نفسها. وسردية الاسترداد التي انتهت بسقوط غرناطة ظلت حاضرة في الثقافة والذاكرة، وإن اختلفت طريقة توظيفها من مرحلة إلى أخرى.

ليس معنى ذلك أن الإسباني المعاصر ينظر إلى المغرب بعين القرون الوسطى، أو أن الحكومة الإسبانية تتخذ قراراتها اليوم انطلاقًا من ذاكرة سقوط الأندلس. مثل هذا التفسير سيكون ساذجًا. لكن التاريخ يترك رواسبه، والرواسب تتحول أحيانًا إلى مخيال سياسي، والمخيال السياسي يستطيع أن يؤثر في نظرة الشعوب إلى جيرانها.

والمغرب هو الجار الذي يصعب على إسبانيا أن تنظر إليه من دون استحضار التاريخ.

هناك الأندلس، ثم الحروب في شمال المغرب، ثم مرحلة الحماية، ثم الاستقلال، ثم بقاء سبتة ومليلية تحت السيادة الإسبانية. كل مرحلة تركت طبقة جديدة فوق الأخرى، حتى أصبحت العلاقة بين البلدين أشبه بعلاقة تحتاج باستمرار إلى التفاوض مع الماضي قبل أن تتفاوض حول المستقبل.

ولهذا أعتقد أن الحديث عن “عقدة المغرب” في إسبانيا لا ينبغي أن يفهم باعتباره اتهامًا للإسبان جميعًا، وإنما باعتباره وصفًا لحالة سياسية ونفسية موجودة لدى بعض التيارات والنخب. المغرب بالنسبة إلى هؤلاء ليس فقط جارًا، وإنما جار لا يمكن تجاهله، وفي الوقت نفسه لا يمكن إخضاعه بسهولة للمعادلات القديمة.

وهذا ما تغير كثيرًا خلال السنوات الأخيرة.

المغرب اليوم ليس مغرب الأمس. حضوره الإفريقي اتسع، وعلاقاته الدولية تنوعت، واقتصاده أصبح أكثر ارتباطًا بالمصالح الأوروبية، كما أن موقعه في قضايا الأمن والهجرة والطاقة جعله طرفًا يصعب تجاوزه. ولذلك أصبحت مدريد مضطرة إلى التعامل مع الرباط بمنطق الشراكة، حتى عندما تكون هناك ملفات لا تتفق فيها الدولتان.

وهنا تظهر المفارقة الإسبانية.

كلما أصبحت إسبانيا بحاجة إلى المغرب، أصبحت بعض القوى داخلها أكثر حساسية تجاه أي خطوة يمكن أن تظهر مدريد في موقع الطرف الأضعف. وكلما حدثت أزمة في سبتة أو مليلية، خرجت الأصوات التي تطالب بإظهار الصرامة، وكأن المطلوب ليس فقط حماية الحدود، بل إثبات أن الدولة الإسبانية لا تزال قادرة على فرض إرادتها في الضفة الجنوبية.

ومن هنا يدخل العامل الحزبي.

المعارضة تعرف أن سبتة ومليلية ملفان شديدا الحساسية لدى الناخب الإسباني، ولذلك فإن أي أزمة فيهما تصبح فرصة لمهاجمة الحكومة. أما الحكومة، فهي تعرف أن التصعيد مع المغرب قد يمنحها نقاطًا في الداخل، لكنه قد يكلفها الكثير في الخارج.

ولهذا لا تبدو معركة سبتة معركة حدود فقط، بل معركة على من يملك رواية الأمن القومي الإسباني.

هل الحكومة هي التي تحدد التهديدات؟ أم الأجهزة الأمنية؟ وهل يجب أن تتحول التقارير الاستخباراتية والأمنية إلى مادة للسجال السياسي؟ وأين ينتهي حق البرلمان في الرقابة وتبدأ مسؤولية حماية المعلومات الحساسة؟

ثم يأتي القضاء.

عندما تدخل المحاكم في قضية لها أبعاد سياسية وأمنية وخارجية، تصبح المسألة أكثر حساسية. القضاء مطالب بالتحقيق في الوقائع، لكن السياسيين ينظرون إلى التحقيقات من زاوية مختلفة. كل نتيجة يمكن أن تتحول إلى سلاح في المعركة بين الحكومة والمعارضة.

وهذا هو الخطر الحقيقي.

فإذا أصبحت المؤسسات الأمنية والقضائية جزءًا من الاشتباك السياسي اليومي، فإن الخلاف لم يعد بين الأحزاب فقط. يصبح خلافًا داخل الدولة نفسها حول من يملك الحقيقة ومن يحدد المسؤولية.

أما الجيش، فلا يحتاج إلى إعلان موقف سياسي حتى يكون حاضرًا. وجوده في سبتة ومليلية هو بحد ذاته رسالة استراتيجية. فالمدينتان ليستا مجرد نقطتين إداريتين، بل جزء من التصور الإسباني للدفاع عن الحدود والسيادة. ولهذا فإن أي أزمة كبيرة فيهما تفرض على المؤسسة العسكرية أن تراقب، وأن تستعد، وأن تقرأ ما وراء الحدث.

لكن من الخطأ تحويل ذلك إلى قصة عن “تمرد الجيش” أو صراع مباشر بين العسكريين والحكومة. لا توجد حاجة إلى مثل هذه المبالغة. الصراع الحقيقي أكثر هدوءًا وأعمق من ذلك: الحكومة تحسب حساب السياسة والدبلوماسية، الأمن يحسب حساب التهديد، الجيش يحسب حساب السيادة والردع، والقضاء يحسب حساب القانون.

وحين تتقاطع هذه الحسابات، تظهر التوترات.

المغرب، في كل ذلك، حاضر حتى عندما لا يكون موجودًا في الغرفة.

إنه حاضر في النقاش البرلماني، وفي تقارير الأمن، وفي حسابات الجيش، وفي الخطاب الانتخابي، وفي الإعلام، وحتى في المخيال الشعبي. وهذه ربما إحدى أكثر المفارقات دلالة في العلاقة بين البلدين: كلما حاولت إسبانيا جعل المغرب مجرد شريك عادي، عاد التاريخ والجغرافيا ليذكراها بأنه ليس جارًا عاديًا.

لكن المغرب أيضًا أمام مسؤولية مختلفة.

فكلما ارتفع منسوب التوتر حول سبتة ومليلية، أصبحت إسبانيا أكثر استعدادًا لإعادة القضية إلى مربع الأمن. وهذا قد لا يخدم المصالح المغربية إذا تحول الخلاف السياسي والتاريخي إلى مواجهة أمنية مفتوحة. ولذلك فإن إدارة العلاقة تحتاج إلى قدر كبير من البراغماتية، خصوصًا أن البلدين يملكان من المصالح المشتركة ما يكفي لتجنب الذهاب إلى نقطة اللاعودة.

المسألة إذن ليست من ينتصر في سبتة.

المسألة هي من يستطيع إدارة التناقضات التي تمثلها سبتة.

إسبانيا تريد أن تقول إن المدينة جزء لا يتجزأ من أراضيها، وفي الوقت نفسه تريد علاقة استراتيجية مع المغرب. والمغرب يريد الحفاظ على موقفه التاريخي من المدينتين، لكنه لا يريد أيضًا نسف شبكة المصالح التي تجمعه بإسبانيا.

هذه ليست معادلة سهلة.

وربما لهذا السبب فإن أزمة سبتة أكبر من حجمها الجغرافي. فهي تجمع في مساحة محدودة ما لا تستطيع السياسة فصله بسهولة: الاستعمار والحدود، الأندلس والمغرب، الهجرة والأمن، الجيش والسياسة، القضاء والانتخابات، أوروبا وإفريقيا.

قد تهدأ الأزمة الحالية كما هدأت أزمات سابقة. وقد تعود مدريد والرباط إلى لغة التعاون، وقد تنشغل الأحزاب الإسبانية بملفات أخرى. لكن شيئًا واحدًا لن يتغير بسهولة.. سبتة ستبقى المكان الذي يعود فيه التاريخ كلما ظنت السياسة أنها تمكنت من تجاوزه.

وهذا هو جوهر المسألة.

فالمغرب بالنسبة إلى إسبانيا ليس مجرد جار يقع جنوب المضيق، كما أن إسبانيا بالنسبة إلى المغرب ليست مجرد دولة أوروبية أخرى. هناك تاريخ طويل بينهما، وهناك مصالح ضخمة، وهناك خلافات لم تجد طريقها إلى الحل النهائي.

ولذلك فإن كل أزمة في سبتة تحمل معها سؤالًا أكبر من حدود المدينة: هل تستطيع إسبانيا أن تبني علاقة استراتيجية مع المغرب من دون أن تبقى أسيرة بعض رواسب الماضي؟ وهل يستطيع المغرب أن يدافع عن موقفه التاريخي من سبتة ومليلية من دون أن يسمح للخلاف بأن يبتلع المصالح التي تربطه بجاره الشمالي؟

بين السؤالين، ستظل سبتة واقفة على حافة المضيق.

مدينة صغيرة، نعم، لكنها تكشف في كل أزمة أن الحدود ليست دائمًا خطوطًا مرسومة على الخرائط. أحيانًا تكون الحدود داخل الذاكرة نفسها.

https://anbaaexpress.ma/cit7t

عبد الحي كريط

باحث وكاتب مغربي، مهتم بالشأن الإسباني، مدير نشر أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى