حديث الساعة، كثرة الهم تضحك، وربما هذا بالضبط ما حدث للمغاربة وهم يتابعون وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة تحت قبة البرلمان، وهو يحاول شرح مفهوم “النمذجة” بطريقة تحولت في ظرف ساعات إلى مادة للسخرية والاستهزاء على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما قال عبارته الشهيرة: “باش التلميذ يفهم كيفاش خصو يدير باش يفهم كيفاش يدير”.
المشهد لم يكن مجرد زلة لسان عابرة، بل كشف حجم أزمة التواصل المؤسساتي التي أصبحت تضرب واحداً من أكثر القطاعات حساسية وارتباطاً بالحقوق الأساسية للمواطنين، وعلى رأسها الحق الدستوري في تعليم جيد ومنصف يحفظ الكرامة ويحقق تكافؤ الفرص.
المفارقة الصادمة أن هذا الجدل جاء في توقيت بالغ الحساسية، تزامناً مع إشادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالمنظومة التعليمية المغربية من العاصمة الكينية نيروبي يوم 11 ماي 2026، حيث وصف التعليم المغربي بأنه “نموذج استثنائي” في إفريقيا، متحدثاً عن “ثورة تعليمية” تحققت تحت قيادة محمد السادس.
بين خطاب دولي يتحدث عن “النموذج الاستثنائي”، وخطاب داخلي مرتبك يعجز عن تبسيط مفهوم بيداغوجي أساسي، وجد المغاربة أنفسهم أمام صورتين متناقضتين لمنظومة واحدة:
– صورة خارجية تقدم المغرب كنموذج إفريقي صاعد في التكوين والانفتاح الأكاديمي.
– وصورة داخلية تعكس ارتباكاً تواصلياً وتراجعاً في الثقة بين المواطن والمؤسسات.
في الجوهر، لم يكن الوزير مخطئاً بالكامل من الناحية العلمية، فمفهوم “النمذجة” أو “Modélisation” معتمد عالمياً في العلوم والتربية والإدارة، ويقوم على تقديم نموذج عملي أو محاكاة تساعد المتعلم على فهم خطوات الإنجاز والتفكير المنهجي، كما يرتبط في علم التربية بنظرية التعلم بالملاحظة والمحاكاة التي طورها عالم النفس ألبرت باندورا.
لكن الإشكال الحقيقي لم يكن في المفهوم، بل في طريقة تقديمه للرأي العام. فحين يعجز مسؤول حكومي عن التواصل بلغة واضحة ومقنعة، فإن الأزمة تتحول من مجرد تعثر لغوي إلى سؤال سياسي وحقوقي يتعلق بالكفاءة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
"محمد سعد برادة يشرح "النمذجة"
اليوم، لم يعد المغاربة يقيمون المسؤول فقط بما يقوله داخل الاجتماعات المغلقة أو التقارير التقنية، بل أيضاً بقدرته على التواصل مع المجتمع واحترام ذكاء المواطنين وتبسيط السياسات العمومية بلغة مفهومة. لأن التواصل العمومي ليس ترفاً سياسياً، بل جزء من الحكامة الجيدة ومن الحق في الوصول إلى المعلومة.
الأخطر أن هذه الواقعة أعادت إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول طريقة تدبير المناصب العليا، حيث يشعر جزء واسع من الرأي العام أن بعض القطاعات الحيوية أصبحت رهينة التوازنات الحزبية وشبكات المصالح أكثر من اعتمادها على الكفاءة والخبرة والرؤية الاستراتيجية.
وفي قطاع يعيش أصلاً على وقع أزمات متراكمة:
تراجع جودة التعلمات، الاكتظاظ، الهدر المدرسي، هشاشة المدرسة العمومية، واحتقان الأسرة التعليمية.
فإن أي ارتباك في الخطاب الرسمي يتحول سريعاً إلى أزمة ثقة، خصوصاً عندما يشعر المواطن أن الفجوة تتسع بين الشعارات المعلنة والواقع اليومي داخل الأقسام الدراسية.
صحيح أن المغرب حقق تقدماً في بعض المجالات المرتبطة بالتعليم العالي والتكوين الدولي، وهو ما تؤكده النتائج المتميزة للطلبة المغاربة في المدارس الفرنسية الكبرى مثل École Polytechnique، لكن ذلك لا يلغي أن المدرسة العمومية ما تزال تواجه تحديات بنيوية عميقة تحتاج إلى إصلاح حقيقي يتجاوز لغة الشعارات والتسويق السياسي.
إن الحق في التعليم لا يقاس فقط بعدد الاتفاقيات الدولية أو الإشادات الدبلوماسية، بل بقدرة الطفل المغربي داخل القرية والمدينة على الولوج إلى مدرسة تحترم إنسانيته، وتوفر له تعليماً جيداً، وأستاذاً مستقراً، ومسؤولين قادرين على الإقناع والتواصل والتدبير.
لهذا، لم تتحول عبارة “باش التلميذ يفهم كيفاش خصو يدير باش يفهم كيفاش يدير” إلى “ترند” فقط لأنها مضحكة، بل لأنها اختزلت في نظر كثيرين أزمة أعمق يعيشها قطاع التعليم، عنوانها الكبير: غياب الانسجام بين الخطاب الرسمي وواقع المدرسة المغربية.




