آراءسياسة
أخر الأخبار

نتائج الانتخابات التشريعية.. أسئلة الإرادة الشعبية وهندسة المشهد السياسي

وإذا ترسخ لدى المواطن الاعتقاد بأن قواعد اللعبة معدّة سلفًا بحيث لا تسمح لصوته بتغيير التوازنات الأساسية، فقد تتحول المشاركة السياسية في وعيه إلى فعل بلا جدوى، ويصبح الناخب أشبه بمن يصارع طواحين الهواء

أحمد بنسعد

إن قراءة نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الأرقام، ولا عند ترتيب الأحزاب وعدد المقاعد التي حصل عليها كل منها، بل تفرض طرح أسئلة أعمق تتصل بطبيعة العملية الانتخابية نفسها، وبمدى تعبير مخرجاتها عن الإرادة الشعبية، وبالآليات السياسية والاجتماعية التي تسهم في تشكيل الخريطة الحزبية والبرلمانية.

فكيف يمكن تفسير تصدّر حزب للمشهد الانتخابي في ظل الجدل المرتبط بتدبير مبالغ مالية ضخمة قُدّرت بـ280 مليار درهم، كانت موجهة لدعم القدرة الشرائية؟ وكيف يمكن فهم احتلال حزب رئيس الحكومة المرتبة الثانية، في وقت أثيرت فيه بشأن بعض قياداته العليا اتهامات مرتبطة بالرشوة وتضارب المصالح واستغلال النفوذ والمال، فض ًلا عن الجدل الذي رافق بعض التشريعات التي اعتبر منتقدوها أنها تمس بمبدأ المنافسة وتثير إشكالات تتعلق بتداخل.

السلطة السياسية بالمصالح الاقتصادية؟

هذه الأسئلة ليست استفهامات عابرة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها أحكا ًما مسبقة على إرادة الناخبين، وإنما باعتبارها مدخ ًلا ضرور ًيا لمحاولة فهم المعنى السياسي للنتائج، والسياق الذي أنتجها، والدلالات التي يمكن استخلاصها منها.

إن اختزال إشكالية نزاهة الانتخابات في التزوير المباشر أو استعمال المال لشراء الأصوات قد لا يكون كاف ًيا لفهم الصورة كاملة. فإلى جانب هذه الممارسات، متى ثبت وقوعها، توجد آليات أقل وضو ًحا يمكن وصفها بـ«التوجيه البنيوي» أو «التزوير الناعم» للإرادة الانتخابية.

وهي آليات لا تتجسد بالضرورة في خرق انتخابي مباشر، وإنما قد ترتبط ببنية النظام الانتخابي ذاته وبالقواعد القانونية والمجالية التي تحكم إنتاج التمثيلية السياسية.

ومن هذه الزاوية، يبرز تقسيم الدوائر الانتخابية باعتباره أحد العناصر الأساسية في صناعة الخريطة البرلمانية. فطريقة توزيع الدوائر والمقاعد قد تمنح للمجال القروي وزنًا انتخاب ًيا يتجاوز أحيانًا وزنه الديمغرافي والسياسي، بما يسمح له بالتأثير بصورة حاسمة في التوازنات التي تحدد مصير كتل انتخابية واسعة تتمركز أسا ًسا في المدن.

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن المجال الحضري بمنأى عن الاختلالات أو أشكال التأثير في الناخبين. غير أن المدن تتميز، بصورة عامة، بكثافة أكبر للمجتمع المدني والنخب السياسية والثقافية، وبفضاءات أوسع للنقاش العمومي، وبقدرة أكبر على إنتاج خطاب سياسي نقدي وعلى مساءلة الفاعلين العموميين.

في المقابل، يبدو أن العالم القروي تحول، عبر الزمن، إلى ما يشبه خزانًا استراتيج ًيا في تشكيل التوازنات الانتخابية. والمفارقة أن هذا الوزن السياسي لا يقابله دائ ًما وزن مماثل في السياسات العمومية الموجهة إلى هذه المجالات.

فاستمرار الفوارق المجالية، وضعف بعض البنيات والخدمات الأساسية، واتساع مظاهر الهشاشة الاجتماعية في عدد من المناطق القروية، كلها عناصر تطرح سؤا ًلا مشرو ًعا حول طبيعة العلاقة بين الأهمية الانتخابية لهذه المناطق وحصتها الفعلية من التنمية.

ولا تتوقف هندسة الخريطة الانتخابية عند حدود تقسيم الدوائر، بل تمتد إلى قواعد احتساب الأصوات وتوزيع المقاعد، وفي مقدمتها ما يعرف بـ«القاسم الانتخابي».

فقد أثارت هذه الآلية نقا ًشا سياس ًيا ودستور ًيا واس ًعا، بالنظر إلى ما يراه منتقدوها من أثر في تفتيت التمثيلية الحزبية والحد من قدرة الأحزاب ذات الامتداد الانتخابي الواسع على ترجمة أصواتها إلى تمثيل برلماني متناسب معها.

ومن هذه الزاوية، يمكن الحديث مجا ًزا عن شكل من أشكال «الدوباج السياسي»، حين تسمح القواعد الانتخابية لبعض الكيانات الحزبية بالحصول على تمثيلية تتجاوز ما كان يمكن أن تحققه وفق معادلات انتخابية أخرى، بما يسهم في إعادة توزيع القوة داخل المؤسسة التشريعية وفي الحيلولة دون تشكل أغلبيات سياسية قوية ومتماسكة.

وإلى جانب الهندسة القانونية والمؤسساتية، لا يمكن تجاهل البنية الاجتماعية التي تجري داخلها الانتخابات. فالأمية بمعناها التقليدي، والأمية السياسية، والفقر، والهشاشة الاقتصادية، وضعف الولوج إلى المعلومة، كلها عوامل يمكن أن تحد من استقلالية القرار الانتخابي وأن تجعل قطاعات من الناخبين أكثر عرضة لمختلف أشكال التأثير والاستقطاب.

وهنا لا يعود السؤال متعلقًا فقط بحرية الناخب لحظة وضع ورقة التصويت في الصندوق، وإنما أي ًضا بالشروط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تك ّونت داخلها إرادته قبل الوصول إلى صندوق الاقتراع.

ومع ذلك، تظل العملية السياسية قادرة، من حين إلى آخر، على إنتاج هوامش لا تخضع بالكامل لمنطق الضبط والتحكم. وقد تفرز صناديق الاقتراع تعبيرات سياسية غير متوقعة، سرعان ما تدخل بدورها في دائرة التجاذب وإعادة التوظيف وفق متطلبات اللحظة السياسية وموازين القوى القائمة.

غير أن قراءة نتائج الانتخابات باعتبارها «رسالة سياسية» تفتح الباب أمام مستوى آخر من التحليل، يتجاوز الداخل إلى علاقة التوازنات السياسية الوطنية بالسياق الإقليمي والدولي.

ففي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، يبرز سؤال بناء الجبهة الداخلية ومدى قدرتها على استيعاب الاختلاف السياسي وتعزيز الثقة في المؤسسات.

فالدول التي تواجه تحديات خارجية كبرى تحتاج، بالضرورة، إلى قاعدة داخلية تشعر بأن لها نصي ًبا حقيق ًيا في صناعة القرار السياسي، وأن مشاركتها ليست مجرد إجراء شكلي يتكرر في المواعيد الانتخابية.

ومن هنا يطرح سؤال آخر: إلى أي حد يمكن قراءة بعض التوازنات التي تفرزها الانتخابات في ضوء الحسابات المرتبطة بملف الصحراء وبمواقف القوى الدولية المؤثرة فيه؟ وهل يمكن أن تكون المحافظة على اتجاه معين في موازين القوى السياسية الداخلية جز ًءا من رسائل الاستقرار والاستمرارية الموجهة إلى الخارج؟ إنها فرضية سياسية تحتاج إلى الأدلة والتحليل قبل تحويلها إلى استنتاج، لكنها تظل سؤا ًلا مشرو ًعا في سياق إقليمي تتداخل فيه السياسة الداخلية بالسياسة الخارجية بصورة متزايدة.

ويزداد هذا السؤال أهمية بالنظر إلى الوضع الجيوسياسي للمغرب: توتر مستمر مع الجزائر، وتحولات متسارعة في منطقة الساحل، وعلاقات مركبة مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، فض ًلا عن أشكال مختلفة من الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي التي تفرضها المصالح المتعارضة للقوى الإقليمية والدولية.

في ظل هذه المعطيات، يصبح اختزال نتائج الانتخابات في المال الانتخابي أو في الحياد السلبي للإدارة وحدهما قراءة غير كافية.

فالمشهد أكثر تعقيدًا، ويقتضي تحلي ًلا يجمع بين القانون الانتخابي، والبنية الاجتماعية، وتوزيع المجال، والاقتصاد السياسي للانتخابات، وعلاقة السلطة بالأحزاب، فض ًلا عن تأثير الاعتبارات الإقليمية والدولية.

لكن الإشكال الأكثر خطورة يظل مرتب ًطا بثقة المواطن في جدوى صوته. فحين يتوجه ناخب إلى صناديق الاقتراع بحثًا عن العدالة أو التغيير أو محاسبة من يعتبرهم مسؤولين عن تدبير الشأن العام، ثم يخرج بانطباع أن صوته لم يكن قاد ًرا على إحداث أثر سياسي ملموس، فإن المسألة لا تعود مجرد خسارة انتخابية لهذا الحزب أو ذاك، بل تتحول إلى أزمة ثقة في العملية السياسية ذاتها.

وإذا ترسخ لدى المواطن الاعتقاد بأن قواعد اللعبة معدّة سلفًا بحيث لا تسمح لصوته بتغيير التوازنات الأساسية، فقد تتحول المشاركة السياسية في وعيه إلى فعل بلا جدوى، ويصبح الناخب أشبه بمن يصارع طواحين الهواء.

ويزداد الأمر إثارة للتساؤل عندما يبدو أن المعارضة نفسها تتحرك داخل هوامش محددة، تؤدي من خلالها وظيفة ضرورية لإظهار التعددية السياسية والمؤسساتية، سواء أمام الرأي العام الداخلي أو أمام الخارج، دون أن يعني ذلك بالضرورة امتلاكها القدرة الفعلية على التأثير في القواعد التي تنتج التوازن السياسي ذاته.

وهنا يصبح السؤال متعلقًا ليس فقط بوجود المعارضة، وإنما بفاعليتها: هل نحن أمام معارضة قادرة على التأثير في القرار العمومي ومساءلة السلطة التنفيذية وتغيير موازين النقاش السياسي، أم أمام تعددية حزبية تؤدي وظيفة تمثيلية أكثر مما تؤدي وظيفة تغييرية؟ ويكتسب هذا النقاش دلالة أكبر في ظل استمرار ضعف المشاركة الانتخابية.

فالعزوف عن التصويت ليس مجرد رقم تقني في بيانات الانتخابات، بل ظاهرة سياسية واجتماعية تستوجب البحث في أسبابها: هل يتعلق الأمر بلامبالاة سياسية؟ أم بفقدان الثقة؟ أم بعدم الاقتناع بقدرة المؤسسات المنتخبة على إحداث تغيير حقيقي؟ أم بمزيج من هذه العوامل جميعا؟.

ومن هنا تظل الأسئلة الأساسية مفتوحة: هل ما زال بالإمكان بناء مسار انتخابي يشعر فيه المواطن بأن إرادته السياسية تحظى بالاحترام، وأن صوته قادر فع ًلا على التأثير في اتجاه السياسات وفي موازين السلطة؟ وإلى أي حد تسمح القواعد الحالية للعملية الانتخابية بالتعبير الحر والمتكافئ عن الإرادة الشعبية، بعيدًا عن تأثير المال والهشاشة الاجتماعية والهندسة الانتخابية واختلال موازين القوة؟.

ثم ماذا عن المقاطعة؟ هل ما زالت تمثل شك ًلا من أشكال الاحتجاج السياسي القادر على إنتاج رسالة واضحة، أم أنها، في ظل استمرار المؤسسات والعملية الانتخابية بصرف النظر عن نسب المشاركة، قد تنتهي عمل ًيا إلى ترك المجال أكثر اتسا ًعا للقوى الأكثر قدرة على التعبئة والتنظيم؟

هذه الأسئلة لا تدعي امتلاك أجوبة نهائية، ولا تسعى إلى مصادرة حق المواطنين في اختيار من يمثلهم. إنها محاولة لفتح نقاش حول طبيعة النظام الانتخابي، وحدود الإرادة الشعبية، والآليات القانونية والاجتماعية والسياسية التي تسهم في إنتاج الخريطة الحزبية والبرلمانية.

فالانتخابات لا تُقاس فقط بسلامة الصندوق يوم الاقتراع، وإنما أي ًضا بعدالة القواعد التي تسبق الوصول إليه، وتكافؤ الفرص بين الفاعلين، واستقلالية القرار الانتخابي، وقدرة المواطن على تحويل صوته إلى أثر سياسي حقيقي. أسئلة نطرحها من أجل تعميق النقاش، ومحاولة فهم ما جرى بعيدًا عن القراءات التبسيطية والأجوبة الجاهزة.

وقد نكون، في نهاية المطاف، مخطئين. لكن الخطأ في طرح الأسئلة أقل خطورة من التوقف عن طرحها.

* محامي وفاعل جمعوي باسبانيا

https://anbaaexpress.ma/ax3s5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى