ليس الغباء دائماً نقصاً في الذكاء، بل قد يكون نتيجة فائض في اليقين. فالمتطرّف لا يحتاج إلى معرفة العالم، لأنه مقتنع سلفاً بأنه يعرفه. لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الأدلة التي تؤكد أوهامه، ولا يناقش ليكتشف، بل ليثبت أنه على حق. وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج التطرّف: تحويل الإنسان من كائن يفكّر إلى كائن يردّد، ومن عقل يتساءل إلى عقل يخشى الأسئلة.
ولعلّ بعض أوساط اليمين اللبناني المتطرّف تقدّم نموذجاً لهذه الظاهرة. نحن أمام عقلية تعيش في عالم متخيّل، حيث الطائفة مهدّدة دائماً، والآخر عدوّ محتمل، والمؤامرة تختبئ خلف كل حدث، فيما يتحوّل التاريخ إلى مجموعة أساطير عن أمجاد ضائعة وبطولات استثنائية وانتصارات لا يعترف بها أحد سوى أصحابها.
في هذا العالم الموازي، لا تحدث الأزمات نتيجة الفساد أو سوء الإدارة أو الخيارات السياسية الفاشلة، بل بسبب مؤامرة كونية تستهدف الطائفة. ولا يتراجع النفوذ السياسي نتيجة تحوّلات اجتماعية وتاريخية، بل لأن قوى غامضة اجتمعت لتدمير «الوجود».
أما التاريخ، فلا يُقرأ بوصفه وقائع معقّدة، بل باعتباره ملحمة مقدّسة يكون فيها «نحن» أبطالاً دائماً، والآخرون خونة أو غزاة.
والأكثر غرابة أن بعض هؤلاء يتحدّثون عن لبنان كما لو أنه قطعة من أوروبا اقتُلعت من مكانها، وأُلقيت خطأً على شواطئ الشرق الأوسط. يتخيّلون هوية نقية لم توجد يوماً، ويتعاملون مع التنوّع التاريخي للبلاد بوصفه كارثة، لا حقيقة اجتماعية وثقافية.
يريدون وطناً يشبه الصور التي اخترعوها عنه، لا الوطن الذي يعيش فيه ملايين البشر المختلفين.
ويمتدّ هذا الانفصال عن الواقع إلى نظرتهم للعالم. فبعض الخطابات العنصرية التي تحتقر أصحاب البشرة السمراء لا تتردّد في التدخّل حتى في قضايا الطلاب في فرنسا، وإطلاق أوصاف عنصرية على المحتجّين، بدلاً من مناقشة مطالبهم وحقوقهم.
وكأن لون البشرة يحدّد شرعية المطالب الاجتماعية، وكأن من يعيش في لبنان، الغارق في أزماته، يمتلك تفويضاً لتصنيف البشر وتحديد من يستحق الحقوق في باريس.
لكن المسألة تتجاوز العنصرية إلى بنية فكرية تجعل المتطرّف عاجزاً عن رؤية التناقضات في كلامه. فهو يطالب بالحرية، لكنه يرتعب من الاختلاف، ويتحدّث عن السيادة فيما يبحث عن حماة خارجيين، ويمجّد الحضارة بينما يستعمل أكثر المفردات بدائية في تصنيف البشر.
يدّعي الواقعية السياسية، ثم يفسّر العالم بنظريات مؤامرة لا تحتاج إلى دليل، لأن غياب الدليل نفسه يصبح عنده دليلاً على نجاح المؤامرة.
ولا ينفرد اليمين بهذا المرض الفكري، فالتطرّف الديني والقومي قادر أيضاً على إنتاج العقلية نفسها. لكن خصوصية بعض أوساط اليمين اللبناني تكمن في مزج الخوف الطائفي بالحنين إلى ماضٍ أسطوري، وتحويل الشعور الدائم بالتهديد إلى هوية سياسية، حتى يصبح الخروج من حالة الخوف تهديداً لهذه الهوية نفسها.
والمفارقة أن المتطرّف الذي يقضي وقته في الدفاع عن وجود طائفته قد لا يرى أبناءها وهم يهاجرون، ولا شبابها الذين يبحثون عن عمل، ولا عائلاتها التي خسرت مدّخراتها. فالمعارك الرمزية أكثر إغراءً من مواجهة الوقائع، والانتصار على عدوّ متخيّل أسهل من الاعتراف بفشل سياسي حقيقي.
إن أخطر ما يفعله التطرّف ليس أنه يجعل الإنسان يكره الآخرين فحسب، بل أنه يمنحه شعوراً زائفاً بالتفوّق المعرفي والأخلاقي. وحين يتحوّل الوهم إلى عقيدة، والجهل إلى يقين، والمؤامرة إلى تفسير شامل للتاريخ، يصبح الغباء موقفاً سياسياً يدافع عنه صاحبه بكل فخر، معتقداً أنه آخر العقلاء في عالم فقد عقله.




