آراءأفريقيا
أخر الأخبار

تحولات الأمن الإقليمي في الساحل الإفريقي.. مقاربة جيوسياسية في تفاعل الفاعلين الرسميين وغير الرسميين

تكشف أزمة الساحل الإفريقي عن تحول عميق في طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث لم تعد الدولة الفاعل الوحيد في إنتاج الأمن أو العنف، بل أصبحت تتقاسم المجال مع جماعات مسلحة، وشبكات عابرة للحدود، وقوى إقليمية ودولية متنافسة..

كريم إدريسي 

أصبحت منطقة الساحل الإفريقي خلال العقدين الأخيرين إحدى أكثر المناطق هشاشة وتعقيدا في النظام الدولي المعاصر، ليس فقط بسبب تصاعد النشاط المسلح للجماعات الجهادية، وإنما أيضا نتيجة التداخل المتزايد بين الاعتبارات الأمنية، والتنافسات الجيوسياسية، والتحولات الإقليمية والدولية.

فالأزمة في الساحل لم تعد مجرد أزمة “إرهاب” بالمعنى التقليدي، بل تحولت إلى فضاء لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي وإعادة تعريف أدوار الدولة والحدود والسيادة.

وفي هذا السياق، برزت مالي باعتبارها مركز الثقل في الأزمة الساحلية، خصوصا مع تطور العلاقة بين الحركات الانفصالية المسلحة والتنظيمات الجهادية العابرة للحدود، وهو ما يعكس تحولا نوعيا في طبيعة الفاعلين غير الدولتيين داخل المنطقة.

أولا: الساحل كفضاء جيوسياسي هش

تفسر الجغرافيا السياسية هشاشة منطقة الساحل بكونها فضاء مفتوحا يتسم بضعف الاندماج الترابي للدول، وامتداد الحدود الصحراوية، وتراجع قدرة الحكومات المركزية على فرض السيطرة الكاملة على الأطراف.

هذا الواقع أنتج ما تسميه أدبيات الأمن الدولي بـ”المجالات الرمادية”، أي المناطق التي تتداخل فيها السلطة الرسمية مع شبكات التهريب والجماعات المسلحة والهويات المحلية.

ومن منظور العلاقات الدولية، فإن ضعف الدولة في الساحل خلق بيئة مثالية لظهور فاعلين غير رسميين يمتلكون القدرة على التأثير في موازين القوة المحلية والإقليمية، سواء عبر السيطرة الميدانية، أو عبر بناء شبكات اقتصادية وأمنية عابرة للحدود.

ثانيا: تحولات الجماعات المسلحة من التمرد إلى الفعل الجيوسياسي

تكشف التطورات الأخيرة في شمال مالي عن انتقال الجماعات المسلحة من منطق “التمرد العسكري” إلى منطق “إعادة إنتاج السلطة”.

فبعض التنظيمات لم تعد تسعى فقط إلى تنفيذ عمليات أمنية، بل أصبحت تعمل على بناء نماذج حكم محلية، وفرض أنماط قانونية ودينية، والسعي إلى اكتساب شرعية اجتماعية داخل بعض البيئات الهشة.

هذا التحول ينسجم مع ما تطرحه نظريات “الحوكمة البديلة” في دراسات النزاعات، حيث تستغل الجماعات المسلحة فراغ الدولة لتقديم نفسها كفاعل منظم قادر على إدارة المجال المحلي، ولو بوسائل قسرية.

كما أن التحالفات التكتيكية بين الحركات الانفصالية والتنظيمات الجهادية تعكس براغماتية سياسية متزايدة، تتجاوز الاختلافات الأيديولوجية لصالح تحقيق أهداف ميدانية مشتركة، مثل السيطرة الترابية، أو مواجهة السلطة المركزية، أو إعادة توزيع النفوذ داخل المنطقة.

ثالثا: الدور الإقليمي ومنطق الأمن الحدودي

تفرض الطبيعة العابرة للحدود للأزمة الساحلية على الدول المجاورة، وخاصة الجزائر، الانخراط المباشر أو غير المباشر في إدارة التوازنات الأمنية داخل المنطقة.

فالجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها العسكري والدبلوماسي، تعتبر الساحل امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي.

ومن هنا، يمكن فهم انخراط الجزائر في الوساطات السياسية واتصالاتها بمختلف الفاعلين المحليين ضمن إطار ما يعرف في العلاقات الدولية بـ”الدبلوماسية الأمنية”، أي استخدام قنوات التفاوض والاحتواء لتجنب انتقال التهديدات إلى الداخل الوطني.

غير أن تعقيد البيئة الساحلية يجعل أي دور إقليمي عرضة لتفسيرات متباينة، خصوصا عندما تتشابك الوساطة مع التنافس الجيوسياسي، وتصبح الحدود بين الاحتواء والتأثير غير واضحة بالكامل.

رابعا: الساحل كساحة تنافس دولي

لا يمكن فصل الأزمة في الساحل عن التحولات الأوسع في بنية النظام الدولي، خاصة مع عودة التنافس بين القوى الكبرى داخل إفريقيا.

فروسيا، وتركيا، والقوى الغربية، وحتى بعض الفاعلين الإقليميين، باتوا يتعاملون مع الساحل باعتباره فضاء استراتيجيا مرتبطا بالموارد الطبيعية، والهجرة، والطاقة، والممرات الأمنية.

وقد أدى هذا التنافس إلى تعدد الفاعلين العسكريين والأمنيين داخل المنطقة، من جيوش نظامية، وشركات عسكرية خاصة، وقوات أجنبية، وتحالفات محلية، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد الأمني بدل المساهمة في استقراره.

تكشف أزمة الساحل الإفريقي عن تحول عميق في طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث لم تعد الدولة الفاعل الوحيد في إنتاج الأمن أو العنف، بل أصبحت تتقاسم المجال مع جماعات مسلحة، وشبكات عابرة للحدود، وقوى إقليمية ودولية متنافسة.

وعليه، فإن فهم ما يجري في مالي والساحل يتطلب تجاوز التفسيرات الاختزالية التي تحصر الأزمة في “الإرهاب” فقط، نحو مقاربة أكثر شمولا تربط بين الجغرافيا السياسية، وضعف الدولة، والتنافس الدولي، والتحولات الاجتماعية والهوياتية داخل المنطقة.

فالساحل اليوم ليس مجرد أزمة أمنية عابرة، بل مختبر جيوسياسي مفتوح يعكس طبيعة النظام الإقليمي والدولي في مرحلة إعادة تشكل موازين القوة.

* باحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية – مستشار في المركز المغربي للدراسات الافريقية والتنمية المستدامة

https://anbaaexpress.ma/36ls9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى