لم يعد النقاش حول قضية الصحراء المغربية مقتصراً على المواقف السياسية والدبلوماسية، بل امتد إلى التحليلات والتأويلات القانونية التي يقدمها بعض المتحدثين بصفة الخبراء، رغم أن عدداً من خلاصاتهم يثير تساؤلات بشأن دقة الاستناد إلى النصوص القانونية والتمييز بين الاختصاصات الأوروبية والسيادة الوطنية للدول.
وقد برز ذلك عقب الخروج الإعلامي لوزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عبر القناة الثانية، الذي قدم توضيحات بشأن مستجدات الملف، مستعرضاً التحولات التي عرفتها المواقف الدولية من قضية الصحراء المغربية، وما رافقها من خطوات عملية، سواء عبر الاعترافات الصريحة بسيادة المغرب، أو فتح التمثيليات القنصلية، أو تنامي الحضور الاقتصادي والاستثماري الدولي بالأقاليم الجنوبية.
غير أن هذه التوضيحات لم تمنع بعض الأصوات المعارضة من تقديم قراءات مضادة، من بينها تصريحات أبوبكر الجامعي، الذي أثار في أحد مقاطعه المصورة مسألة المخاطر القانونية التي قد تواجه الشركات متعددة الجنسيات المستثمرة في الأقاليم الجنوبية، مستحضراً أحكام محكمة العدل الأوروبية والاتفاقيات التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ليخلص إلى أن المغرب لم يحسم النزاع، وأن دبلوماسيته لم تحقق الانتصار الذي يجري الحديث عنه.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين التحليل القانوني الرصين والاستنتاجات العامة التي لا تستوعب مختلف أبعاد الملف.
فمن أبرز المغالطات تقديم أحكام محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي باعتبارها عائقاً قانونياً شاملاً أمام الاستثمارات الأجنبية في الأقاليم الجنوبية، أو تصوير التحركات الاقتصادية والدبلوماسية الدولية باعتبارها بلا قيمة ما لم تقترن باعتراف رسمي صريح بالسيادة المغربية.
فأحكام محكمة العدل الأوروبية الصادرة في أكتوبر 2024 تتعلق أساساً بتطبيق الاتفاقيات المبرمة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب على إقليم الصحراء، ولا يصح تحويلها إلى حظر عام يمنع الدول من إقامة علاقات دبلوماسية مع المغرب أو يضع جميع أشكال النشاط الاقتصادي في أقاليمه الجنوبية خارج القانون.
ذلك أن القضاء الأوروبي يبت في المسائل المعروضة عليه ضمن نطاق قانون الاتحاد الأوروبي، بينما تخضع العلاقات الدبلوماسية والاختيارات الاقتصادية للدول لأطر قانونية مختلفة، تحكمها قواعد القانون الدولي والاتفاقيات ذات الصلة.
كما أن تحديد المخاطر القانونية التي قد تواجه الشركات الأوروبية يستوجب النظر في طبيعة النشاط الاقتصادي والإطار الاتفاقي والقواعد المنطبقة عليه، بعيداً عن التعميم أو وضع جميع الاستثمارات في خانة واحدة.
وفي المقابل، فإن الحضور الاستثماري الدولي بالأقاليم الجنوبية لا يمكن فصله عن التحولات السياسية والدبلوماسية التي تعرفها المنطقة.
فقد شهدت الأقاليم الجنوبية زيارات لوفود وممثلي شركات أوروبية وأمريكية وآسيوية، في إطار دراسة فرص إقامة مشاريع وإطلاق استثمارات اقتصادية، بما يعكس اهتماماً متزايداً بالإمكانات التنموية والاقتصادية التي توفرها المنطقة.
كما أن عدداً من الدول قرر فتح تمثيليات قنصلية وتشغيل خدمات قنصلية لفائدة مواطنيه بجنوب المملكة، وهي خطوات تحمل دلالات سياسية ودبلوماسية تتجاوز مجرد التعاون الاقتصادي، وتُعد، في الموقف المغربي، تعبيراً عملياً عن دعم مغربية الصحراء وتكريس الحضور المؤسساتي للمملكة في أقاليمها الجنوبية.
ومن المهم هنا التمييز بين طبيعة هذه الخطوات، فالاستثمار الاقتصادي وحده لا يعادل اعترافاً قانونياً رسمياً بالسيادة، لكن اقترانه بمواقف سياسية معلنة وقرارات دبلوماسية، من قبيل فتح القنصليات، يمنحه دلالات تتجاوز النشاط التجاري، ويعكس مستوى متقدماً من التعامل مع الأقاليم الجنوبية باعتبارها جزءاً من المجال الوطني المغربي.
كما أن أحكام محكمة العدل الأوروبية لا تشكل التزاماً قانونياً على الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ولا تمتد آثارها تلقائياً إلى اختياراتها الدبلوماسية أو سياساتها الاستثمارية.
أما داخل الاتحاد الأوروبي، فتظل مؤسساته ودوله الأعضاء معنية بالالتزامات المترتبة عن قانون الاتحاد والأحكام القضائية الصادرة في نطاقه.
كما أن تقييم مسار قضية الصحراء المغربية يقتضي استحضار التحولات التي عرفها الموقف الدولي داخل الأمم المتحدة. فقد شكل قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 محطة مهمة، من خلال دعمه للمفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، والإشارة إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق.
ولا يعني ذلك أن المسار الأممي وصل إلى التسوية النهائية، بل إن المفاوضات تظل مستمرة في إطار سياسي عرف تحولات مهمة. ومن ثم، فإن اختزال هذا المسار في القول إن المغرب لم يحقق أي مكسب يتجاهل التراكم الدبلوماسي والمؤسساتي خلال السنوات الأخيرة، ويخلط بين عدم بلوغ التسوية النهائية وعدم تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية.
إن النقاش المسؤول حول قضية الصحراء المغربية يقتضي قراءة متكاملة تميز بين القانون الأوروبي والقانون الدولي، وبين العلاقات الثنائية والاتفاقيات التجارية، وبين الاستثمار والاعتراف الرسمي، بعيداً عن انتقاء النصوص القانونية وعزلها عن سياقها.
فصفة الخبير لا تُكتسب بمجرد الظهور الإعلامي أو إطلاق الأحكام القاطعة، وإنما بمدى القدرة على تقديم تحليل دقيق، واستحضار مختلف المعطيات، والتمييز بين الوقائع والتأويلات.
وفي قضية بحجم الصحراء المغربية، يصبح التدقيق مسؤولية أساسية، لأن تبسيط الملفات القانونية المعقدة قد يحول النقاش العام إلى مساحة لتداول استنتاجات لا تعكس بالضرورة حقيقة النصوص أو حدودها.




