أفريقياحديث الساعةسياسة
أخر الأخبار

“زواج المصالح” بين الجزائر وتركيا.. هل يعيد تبون وأردوغان رسم موازين النفوذ في شمال إفريقيا؟ – تحليل

وفي ما يتعلق بملف الصحراء المغربية، تبدو أنقرة حذرة في مقاربتها لهذا النزاع الإقليمي، خاصة في ظل الزخم الدولي المتزايد الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتوالي المواقف الدولية المؤيدة للمسار الأممي باعتباره الإطار الحصري لتسوية هذا النزاع المفتعل

اختتم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، اليوم الجمعة، زيارته الرسمية إلى تركيا، والتي امتدت من 6 إلى 8 ماي 2026، حيث أجرى مباحثات مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، في ثالث زيارة له إلى أنقرة منذ سنة 2019.

ووفق المعطيات المتوفرة، فقد ركزت الزيارة على تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ورفع حجم التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار، إلى جانب توقيع اتفاقيات تعاون شملت قطاعات الصناعة، التجارة، الفلاحة، الإعلام، البريد والنقل.

كما ترأس الرئيسان الدورة الأولى لـ”مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى”، وهي آلية جديدة تهدف إلى تأطير العلاقات الثنائية ومنحها طابعًا مؤسساتيًا أكثر عمقًا، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.

ومن أبرز الملفات التي طُرحت خلال هذه الزيارة، قضايا شمال إفريقيا، والتطورات الجيوسياسية في منطقة الساحل والشرق الأوسط، إضافة إلى ملفات الاستثمار والطاقة والتنسيق السياسي.

تقارب اضطراري أم تحالف استراتيجي؟.. لماذا تبحث الجزائر وتركيا عن بعضهما اليوم؟

غير أن القراءة العميقة لهذه الزيارة تكشف أنها لا تندرج فقط في إطار التعاون الثنائي التقليدي، بل تعكس ما يمكن وصفه بـ”التحرك الاستراتيجي الاضطراري” للطرفين، حيث يرى كل طرف في الآخر مدخلًا لمعالجة تحديات وضغوط إقليمية ودولية متزايدة.

فالجزائر، التي تواجه توترات إقليمية معقدة في منطقة الساحل وليبيا، إلى جانب استمرار القطيعة مع المغرب، تسعى إلى تنويع تحالفاتها خارج الدائرة التقليدية المرتبطة بفرنسا وروسيا، عبر التقارب مع قوة إقليمية عضو في حلف الناتو ولها حضور متنامٍ في العالم الإسلامي والقارة الإفريقية.

كما تراهن الجزائر على الاستثمارات التركية باعتبارها أكثر مرونة وبراغماتية، في محاولة لتقليص الارتهان الاقتصادي للشركاء الأوروبيين، وخلق شراكات صناعية وإنتاجية جديدة.

في المقابل، تنظر تركيا إلى الجزائر باعتبارها بوابة استراتيجية نحو إفريقيا، خاصة وأن أنقرة تُعد من أكبر المستثمرين الأجانب في الجزائر خارج قطاع المحروقات، مع حضور قوي في قطاعات الحديد والصلب والنسيج والصناعة التحويلية.

وتسعى أنقرة كذلك إلى تعزيز أمنها الطاقي عبر توطيد علاقاتها مع الجزائر، التي تُعتبر موردًا مهمًا ومستقرًا للغاز الطبيعي، خصوصًا في ظل التقلبات التي تعرفها الأسواق العالمية.

أما على المستوى الجيوسياسي، فإن التقارب التركي الجزائري يمنح أنقرة هامش نفوذ أوسع في حوض المتوسط وشمال إفريقيا، بما يسمح لها بإعادة تموقعها أمام القوى الأوروبية التقليدية والمنافسين الإقليميين.

ويرى متابعون أن هذه الزيارة تحمل أيضًا رسائل موجهة إلى الداخل في كلا البلدين، من خلال تقديم صورة عن قيادة سياسية نشطة دبلوماسيًا، قادرة على بناء شراكات وتحالفات خارج دائرة التأثيرات الغربية التقليدية.

وفي ما يتعلق بملف الصحراء المغربية، تبدو أنقرة حذرة في مقاربتها لهذا النزاع الإقليمي، خاصة في ظل الزخم الدولي المتزايد الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتوالي المواقف الدولية المؤيدة للمسار الأممي باعتباره الإطار الحصري لتسوية هذا النزاع المفتعل.

كما أن تركيا تدرك حساسية التوازنات في المنطقة، لذلك تحرص على عدم الاصطدام بالتوجه الدولي العام أو الدخول في اصطفافات قد تؤثر على مصالحها الاستراتيجية مع مختلف الأطراف.

أنقرة تغيّر بوصلتها نحو الجزائر.. استثمارات ونفوذ وطموح للتمدد داخل إفريقيا

وفي سياق أوسع، يبدو أن أنقرة تحاول إعادة ترتيب أوراقها في شمال إفريقيا بناءً على مراجعة تجربتها الاقتصادية مع المغرب، حيث اتسمت العلاقات التجارية بين الجانبين بطابع تنافسي واضح، خاصة بعد تسجيل اختلالات في الميزان التجاري دفعت الرباط إلى مراجعة بعض بنود اتفاقية التبادل الحر واتخاذ إجراءات حمائية لحماية الصناعة الوطنية.

بينما في الجزائر، اختارت تركيا نموذجًا مختلفًا يقوم على الاستثمار الصناعي والإنتاج المحلي، ما جعل الجزائر تتحول بالنسبة لأنقرة من مجرد سوق استهلاكية إلى قاعدة إنتاج وتصدير نحو العمق الإفريقي.

كما أن الجزائر، التي تسعى منذ سنوات إلى تقليص ارتباطها الاقتصادي بفرنسا، تبدو أكثر استعدادًا لفتح المجال أمام الشريك التركي، في إطار ما تعتبره تنويعًا لشبكة شركائها الدوليين.

وفي هذا السياق، تراهن تركيا على المشاريع الجزائرية الموجهة نحو العمق الإفريقي، خصوصًا في منطقة الساحل والصحراء، بما يسمح بتمرير المنتجات المصنعة داخل الجزائر نحو أسواق إفريقية جديدة، عبر مشاريع لوجستية وتجارية مستقبلية مع دول الجوار.

ويكمن الفارق الجوهري، بحسب مراقبين، في أن المغرب يمتلك مشروعه الاقتصادي والإفريقي الخاص، ويطرح نفسه بدوره كبوابة استراتيجية نحو القارة الإفريقية.

ما يجعل العلاقة مع تركيا محكومة بمنطق “الندية التنافسية”، بينما تقوم العلاقة التركية الجزائرية على منطق “التكامل المصلحي”، حيث توفر الجزائر الموقع الجغرافي والطاقة والامتداد الإفريقي، فيما توفر تركيا التكنولوجيا والخبرة الصناعية والقدرة التسويقية.

وبناءً على هذه المعطيات، يطرح التقارب التركي الجزائري نفسه كتحول إقليمي قد يدفع قوى تقليدية، وعلى رأسها فرنسا، إلى إعادة تقييم سياساتها في شمال إفريقيا، تفاديًا لخسارة مزيد من النفوذ في منطقة تشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة.

https://anbaaexpress.ma/2mxqw

عثمان بنطالب

ناشط حقوقي دولي مدير عام أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى