يحيي المغرب، يوم 6 نونبر 2026، الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، في ظرفية وطنية ودولية تمنح هذه المناسبة أبعاداً تتجاوز استحضار واحدة من أبرز محطات استكمال الاستقلال، لتجعل منها لحظة للتأمل في التحولات التي عرفتها المملكة ومكاسبها الدبلوماسية والاستراتيجية.
ويتزامن تخليد هذه الذكرى مع الاحتفاء بعيد الوحدة، في سياق يتسم بتنامي الزخم الدولي الداعم للموقف المغربي بشأن الصحراء، وتقدم المملكة في ترسيخ موقعها بوصفها قوة إقليمية وفاعلاً محورياً في الربط بين إفريقيا وأوروبا والفضاء الأطلسي.
وتكتسب هذه المحطة رمزية خاصة، لأنها تستحضر حدثاً جسّد سنة 1975 قدرة المغاربة على الالتفاف حول قضية وطنية جامعة، وتحويل الإرادة الشعبية إلى فعل تاريخي سلمي أسهم في استرجاع الصحراء المغربية.
كما تأتي في مرحلة جديدة من مسار القضية الوطنية، عنوانها الانتقال من الدفاع عن الموقف المغربي إلى تعزيز المكتسبات السياسية والدبلوماسية، وتوسيع آفاق التنمية في الأقاليم الجنوبية، بما يجعل الوحدة الترابية جزءاً من مشروع وطني متكامل.
فالمسيرة الخضراء لم تكن مجرد تحرك شعبي عابر، بل شكلت تعبيراً عن إرادة سياسية ومجتمعية راسخة، قادها الملك الراحل الحسن الثاني، وشارك فيها متطوعون ومتطوعات من مختلف مناطق المملكة وفئاتها، في مشهد سلمي استثنائي استقطب اهتمام العالم.
وقد حملت تلك المبادرة رسالة واضحة مفادها أن استكمال الوحدة الترابية يمثل امتداداً طبيعياً لمعركة الاستقلال، وأن استعادة السيادة على الأراضي التي ظلت تحت الاحتلال الأجنبي تظل جزءاً من استكمال بناء الدولة الوطنية.
وكان المغرب قد خاض، منذ منتصف القرن الماضي، مساراً طويلاً ومعقداً للتحرر من الاستعمار، بعدما فرضت القوى الأجنبية واقعاً جغرافياً وسياسياً مجزأً على البلاد، توزع بين الحماية الفرنسية والنفوذ الإسباني والنظام الدولي الذي خضعت له طنجة.
ومع عودة الملك الراحل محمد الخامس من المنفى في 16 نونبر 1955، وبدء مرحلة الاستقلال، انتقلت المملكة إلى استكمال تحرير ما تبقى من ترابها، وهي المهمة التي واصلها الملك الراحل الحسن الثاني.
وفي هذا المسار، شكلت عمليات جيش التحرير في الأقاليم الجنوبية سنة 1956 محطة بارزة، أعقبها استرجاع طرفاية سنة 1958، ثم سيدي إفني سنة 1969، قبل أن تتوج المسيرة الخضراء في 6 نونبر 1975 باسترجاع الصحراء المغربية، ثم استكمال المسار باسترجاع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979.
وتظل هذه المحطات حاضرة في الذاكرة الوطنية باعتبارها حلقات مترابطة في مسار استعادة السيادة والوحدة.
غير أن خصوصية ذكرى هذه السنة تكمن في تزامنها مع مرحلة سياسية ودبلوماسية جديدة، تعززت خلالها مكانة المقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره أساساً لتسوية سياسية واقعية ودائمة.
وفي هذا السياق، أكدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير أن تخليد الذكرى الحادية والخمسين يجري في أجواء التعبئة الوطنية الشاملة من أجل ترسيخ مغربية الصحراء على أساس الحكم الذاتي، معربة عن دعمها لمضامين بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر 2026.
ويكتسي هذا البلاغ أهمية خاصة بالنظر إلى ما تضمنه من توجه نحو مرحلة جديدة في تدبير ملف الوحدة الترابية، تقوم على تجاوز منطق المحافظة على الوضع القائم، وتعزيز التحول في المحددات السياسية والدبلوماسية التي ظلت تؤطر هذا الملف لعقود.
وهو تطور يعكس الرغبة في استثمار التحولات الدولية وتراكم المواقف الداعمة للمغرب، من أجل الدفع نحو تسوية نهائية تستجيب لمتطلبات الاستقرار وتراعي المصالح الوطنية.
وقد نجحت الدبلوماسية المغربية، بقيادة الملك محمد السادس، خلال السنوات الأخيرة، في توسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، مستفيدة من شبكة علاقات متنامية وشراكات استراتيجية مع قوى دولية وإقليمية.
ولم يعد التعاطي مع قضية الصحراء مقتصراً على المواقف السياسية التقليدية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بموقع المغرب في معادلات الأمن والاستقرار والتنمية والتعاون الاقتصادي، وبالأدوار التي يضطلع بها في محيطه الإفريقي والمتوسطي والأطلسي.
ومن هنا، تبرز أهمية المكاسب الجيوسياسية التي راكمتها المملكة، إذ باتت الأقاليم الجنوبية تشكل نقطة ارتكاز في رؤية المغرب لتعزيز حضوره في القارة الإفريقية والانفتاح على الفضاء الأطلسي.
فالموقع الاستراتيجي لهذه المناطق يمنحها إمكانات كبيرة لتكون منصة للتبادل التجاري واللوجستي، وجسراً يربط الأسواق الإفريقية بأوروبا وباقي الشركاء الدوليين.
وتندرج المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي ضمن هذا التوجه، إذ تسعى إلى توفير منافذ اقتصادية وتجارية جديدة أمام البلدان غير الساحلية، وتعزيز اندماجها في المبادلات الإقليمية والدولية.
كما تمنح هذه المبادرة الأقاليم الجنوبية دوراً محورياً في بناء فضاء للتعاون الإفريقي قائم على المصالح المشتركة، وتؤكد انتقال المغرب إلى مقاربة تربط الدبلوماسية بالتنمية والاستثمار والاستقرار.
وتتجسد هذه الرؤية أيضاً في المشاريع الكبرى التي عرفتها مدن الصحراء المغربية، خصوصاً في مجالات النقل والطرق والموانئ والطاقة والبنيات الأساسية والخدمات الاجتماعية.
فقد ساهمت الاستثمارات العمومية في تطوير الربط بين الأقاليم الجنوبية وباقي جهات المملكة، وتحسين ظروف عيش السكان، وتهيئة بيئة أكثر جاذبية للمقاولات والاستثمارات الوطنية والدولية.
وتبرز مدينتا العيون والداخلة، على وجه الخصوص، ضمن هذا التحول، من خلال المشاريع الحضرية والاقتصادية واللوجستية التي تستهدف تعزيز قدراتهما التنموية، وتوسيع أدوارهما في محيطهما الإفريقي.
كما يشكل مشروع ميناء الداخلة الأطلسي أحد أبرز الأوراش الاستراتيجية التي تراهن عليها المملكة لتقوية موقعها البحري والتجاري، وفتح آفاق جديدة أمام المبادلات مع غرب إفريقيا، بما ينسجم مع التوجه نحو جعل الواجهة الأطلسية رافعة للتكامل القاري.
وتعكس هذه الأوراش ترابطاً واضحاً بين مسار ترسيخ الوحدة الترابية ومشروع التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فتعزيز الحضور المغربي في الأقاليم الجنوبية لا يقوم على البعد الدبلوماسي وحده، بل يستند كذلك إلى تحسين البنيات التحتية وتطوير الخدمات وخلق فرص الاستثمار والتشغيل، بما يضمن استفادة الساكنة من ثمار التنمية، ويحول الإمكانات الجغرافية والاقتصادية لهذه المناطق إلى قيمة مضافة على المستوى الوطني والإقليمي.
وفي هذا الإطار، لا يقتصر الاحتفاء بعيد الوحدة على استعادة رمزية حدث تاريخي، بل يطرح أيضاً مسؤولية مواصلة البناء وتعزيز التماسك الوطني. فالمكتسبات الدبلوماسية تحتاج إلى مواكبة اقتصادية ومؤسساتية واجتماعية، كما أن قوة الموقف المغربي ترتبط بقدرة المملكة على مواصلة الإصلاح وتطوير نموذجها التنموي، وتوسيع المشاركة المجتمعية في الأوراش الوطنية الكبرى.
وتؤكد أسرة المقاومة وجيش التحرير، من خلال موقفها بمناسبة هذه الذكرى، استمرار التعبئة وراء الملك محمد السادس دفاعاً عن الوحدة الترابية، ودعماً للحل السياسي القائم على الحكم الذاتي.
ويعكس هذا الموقف امتداداً للروح الوطنية التي ميزت المسيرة الخضراء، مع اختلاف طبيعة الأدوات والتحديات بين مرحلة التحرير ومرحلة تثبيت المكتسبات وتعزيز الحضور المغربي في محيط دولي وإقليمي متغير.
كما تشكل المناسبة فرصة لتجديد الاعتراف بتضحيات أجيال المقاومة وجيش التحرير، التي ساهمت في استعادة الاستقلال والدفاع عن السيادة الوطنية.
فاستحضار هذه الذاكرة لا ينفصل عن مسؤولية نقل قيم التضحية والمواطنة إلى الأجيال الجديدة، وتعريفها بالمراحل التي قطعها المغرب في سبيل استكمال وحدته وبناء مؤسساته وترسيخ مكانته.
ومن المرتقب أن تنظم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، يوم الجمعة 6 نونبر، مهرجاناً خطابياً وندوة فكرية بالفضاء الوطني للذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بحي أكدال في الرباط، تتخللهما عروض وشهادات حول دلالات المسيرة الخضراء وقيمها الوطنية.
كما ستشهد مختلف جهات وأقاليم المملكة أنشطة ثقافية وتربوية وتواصلية، إلى جانب تكريم ثمانية من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، تقديراً لما قدموه من تضحيات في سبيل الحرية والاستقلال.
وبعد واحد وخمسين عاماً على المسيرة الخضراء، يستحضر المغرب حدثاً صنع منعطفاً في تاريخه الحديث، لكنه ينظر في الوقت نفسه إلى المستقبل من موقع دولة راكمت مكاسب دبلوماسية وتنموية وجيوسياسية مهمة.
وإذا كانت مسيرة 1975 قد جسدت وحدة الإرادة في استكمال الاستقلال، فإن رهانات المرحلة الراهنة تتمثل في صيانة هذه المكتسبات، وتعزيز التنمية بالأقاليم الجنوبية، وتوسيع الشراكات الدولية، وترسيخ موقع المملكة كفاعل أساسي في محيطها الإفريقي والأطلسي.
ومن هنا، يحمل عيد الوحدة معنى متجدداً: الاعتزاز بما تحقق، والثقة في مسار المغرب، والاستعداد لمواصلة بناء المستقبل.




