آراءالشرق الأوسط
أخر الأخبار

لبنان بين حربين.. إسرائيل على الأرض والضغوط في الداخل

ولعل التحذير الأوضح من خطورة هذا المناخ جاء على لسان وليد جنبلاط، الذي أكد أكثر من مرة أن طريق المفاوضات الذي تسلكه السلطة اللبنانية لن يصل إلى نتيجة، داعياً إلى اعتماد اتفاق إسلام آباد باعتباره مخرجاً ممكناً

لم يدخل لبنان مرحلة ما بعد الحرب، لأن الحرب لم تنتهِ أصلاً، لا عسكرياً ولا سياسياً. فالعدوان الإسرائيلي مستمر، والاحتلال يواصل فرض وقائعه على الأرض، فيما تتصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية في الداخل، في محاولة لإعادة تشكيل التوازنات اللبنانية والحد من نفوذ المقاومة وقدرتها على مواجهة إسرائيل.

وبينما يفترض أن تكون الأولوية الوطنية لمواجهة الاعتداءات وحماية المواطنين وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، يبدو أن بعض أطراف السلطة والقوى السياسية تتعامل مع المرحلة باعتبارها فرصة لفتح معركة داخلية موازية، عنوانها هذه المرة ليس الاحتلال، بل المقاومة وبيئتها.

الجنوب الذي دفع الثمن الأكبر من العدوان، وأهله الذين تحملوا التهجير والدمار والخسائر، لا يجدون في الدولة الحاضنة التي يفترض أن تكون إلى جانبهم.

فبدلاً من أن تتعامل المؤسسات الرسمية مع المتضررين باعتبارهم مواطنين لبنانيين، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية والطائفية، تتزايد الشكاوى من تسييس المساعدات ووضع العراقيل أمام وصولها إلى العائلات المتضررة.

وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بإدارة ملف الإغاثة فحسب، بل بطبيعة الدولة نفسها: هل هي دولة لجميع مواطنيها، أم أن حقوق بعض المناطق وسكانها باتت خاضعة لحسابات سياسية ومواقف مسبقة من خياراتهم؟

إن تحويل المساعدات إلى أداة ضغط، أو التعامل مع المتضررين على أساس البيئة التي ينتمون إليها، لا يضعف المقاومة بقدر ما يضرب الثقة بالدولة ويعمّق الانقسام. فالجنوب ليس منطقة خارج الدولة، وسكانه ليسوا مواطنين من درجة ثانية، ولا يجوز أن تتحول معاناتهم إلى ورقة في الصراع السياسي.

وإذا كانت السلطة عاجزة عن حماية الأرض من الاعتداء الإسرائيلي، فإن أقل ما يُنتظر منها ألا تضيف إلى أعباء الحرب عقاباً سياسياً واجتماعياً لأهلها.

وفي موازاة ذلك، تتقدم حملات التحريض الطائفي إلى واجهة النقاش الداخلي. فقد تحولت مسألة شراء مواطنين شيعة عقارات في المتن وكسروان إلى مادة لإثارة المخاوف والحديث عن تهديد هوية المناطق، وكأن حق التملك والسكن أصبح مرتبطاً بالطائفة لا بالقانون.

ومن الطبيعي أن تخضع عمليات البيع والشراء للقوانين، وأن تعالج أي مخالفات مثبتة عبر المؤسسات المختصة، لكن الاعتراض على هوية المشتري ليس رقابة قانونية، بل خطاب يكرّس منطق الفرز الطائفي ويعيد إنتاج مناخات لطالما دفعت لبنان إلى حافة الانفجار.

ولعل التحذير الأوضح من خطورة هذا المناخ جاء على لسان وليد جنبلاط، الذي أكد أكثر من مرة أن طريق المفاوضات الذي تسلكه السلطة اللبنانية لن يصل إلى نتيجة، داعياً إلى اعتماد اتفاق إسلام آباد باعتباره مخرجاً ممكناً.

ولم يقتصر تحذيره على المسار التفاوضي، بل تناول أيضاً المناخ الداخلي، مشيراً إلى وجود من يدعون إلى ترحيل الشيعة إلى العراق، ومطالباً بوقف هذه الدعاية. وشدد جنبلاط على التمسك بلبنان الكبير، محذراً من أن البلد نفسه بات في خطر.

وتكتسب هذه المواقف أهميتها من أنها تتجاوز الخلاف حول المقاومة أو المفاوضات، لتضع أمام اللبنانيين سؤالاً أكثر خطورة: هل يمكن الحفاظ على لبنان فيما يجري التعامل مع مكوّن أساسي من أبنائه باعتباره عبئاً ينبغي التخلص منه؟ إن الدعوة إلى ترحيل مواطنين بسبب هويتهم الطائفية ليست مجرد خطاب متطرف، بل تهديد لفكرة لبنان ووحدته.

وتندرج قضية شاحنة المتفجرات في سياق توظيف الملفات الأمنية في الصراع الداخلي. فقد أعلنت المقاومة رسمياً أن الشحنة تعود إليها وأنها معدّة للاستخدام في مواجهة العدو الإسرائيلي.

لكن خصومها سارعوا إلى تقديم رواية مختلفة، توحي بأن الشحنة كانت مخصصة لاستهداف الداخل اللبناني ومعارضي المقاومة.

وهكذا انتقلت القضية من إطارها المعلن إلى مادة للتعبئة والتحريض، وكأن المطلوب نقل المواجهة من الحدود مع إسرائيل إلى الداخل اللبناني.

وفي هذا السياق، يكتسب إصرار سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية، على إحالة القضية إلى المجلس العدلي دلالة سياسية تتجاوز المطالبة بإجراء قضائي.

فالتحقيق في أي قضية حق وواجب، لكن تحويلها مسبقاً إلى اتهام سياسي وأمني واسع، والإصرار على مسار من شأنه أن يرفع مستوى المواجهة، كان يمكن أن يفتح الباب أمام تصعيد خطير، وأن يشكل شرارة لتفجير البلد في مناخ مشحون أصلاً.

والمشكلة ليست في مبدأ التحقيق، بل في توظيف القضية لتثبيت رواية اتهامية قبل استكمال الوقائع، وتحويلها إلى أداة إضافية لتأجيج الانقسام.

ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن الدورين الأميركي والسعودي. فالولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط مالية وعقوبات، ونفوذاً واسعاً في علاقاتها بالمؤسسات الرسمية والأمنية والعسكرية، فيما تمتلك السعودية شبكة علاقات سياسية مع قوى وشخصيات لبنانية، وقدرة على التأثير في اتجاهات الاصطفاف الداخلي.

واختلاف أدوات الطرفين لا يلغي تقاطع أهدافهما في السعي إلى إعادة ترتيب المشهد اللبناني وإضعاف موقع المقاومة ونفوذها. واشنطن تتحرك عبر الملفات المالية والأمنية والسياسية، والرياض عبر علاقاتها السياسية وتأثيرها في مكونات السلطة والقوى الحزبية.

وفي المحصلة، يلتقي المساران عند محاولة إنتاج توازن داخلي جديد يحد من قدرة المقاومة على الاحتفاظ بدورها وتأثيرها.

أما داخلياً، فتبرز القوات اللبنانية والكتائب، إلى جانب بعض النواب الذين يرفعون عنوان «نواب الثورة»، بوصفهم من أبرز الداعين إلى جعل مواجهة المقاومة أولوية سياسية. ولا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في الرأي حول سلاح المقاومة أو مستقبل الدولة، بل بخطاب ومواقف تتقاطع في محطات عديدة مع الأولويات الأميركية والسعودية، وتوفر غطاءً محلياً للضغوط الخارجية.

ومن منظور نقدي، تبدو هذه القوى وكأنها تمنح المعركة الداخلية أولوية على مواجهة الاحتلال، وتتعامل مع إضعاف المقاومة باعتباره مدخلاً لإعادة بناء الدولة، حتى لو كان الثمن تعميق الانقسام وتعريض السلم الأهلي للخطر.

وهنا تكمن المفارقة الأخطر: إسرائيل التي لم تتمكن من تحقيق جميع أهدافها العسكرية، قد تجد في الضغط السياسي والاقتصادي والانقسام الداخلي فرصة لاستكمال ما عجزت عن تحقيقه بالنار. فالاحتلال لا يحتاج دائماً إلى توسيع عملياته العسكرية إذا استطاع أن يفرض على لبنان معادلة داخلية تجعل المقاومة محاصرة سياسياً واجتماعياً، وتحدّ من قدرتها على الردع، وتدفع الدولة إلى تبني شروطه تحت عناوين التفاوض والاستقرار وحصرية السلاح.

وما لم تحققه الحرب على الأرض قد تسعى إسرائيل إلى تحقيقه عبر إنهاك الداخل وتفكيك عناصر القوة فيه.

ليس المطلوب إلغاء النقاش اللبناني حول السلاح أو الاستراتيجية الدفاعية أو مستقبل الدولة، فهذه ملفات وطنية قابلة للنقاش. لكن لا يمكن أن يجري هذا النقاش في ظل الاحتلال والاعتداءات المستمرة، ولا أن يتحول إلى غطاء لتجريد لبنان من عناصر قوته، فيما تحتفظ إسرائيل بحرية الاعتداء وتفرض وقائعها على الأرض. كما لا يمكن بناء دولة قوية عبر معاقبة منطقة أو استهداف طائفة أو تحويل الخلاف السياسي إلى اتهام جماعي.

لبنان اليوم بين حربين متداخلتين: حرب إسرائيلية مستمرة على أرضه، وحرب ضغوط سياسية واقتصادية وإعلامية في داخله.

الأولى تستهدف الأرض والناس وقدرات الردع، والثانية تستهدف التوازنات والبيئة الاجتماعية والسياسية التي تشكل جزءاً من معادلة المواجهة. والخطر أن تتحول الثانية إلى امتداد للأولى، وأن يجد الاحتلال في الانقسام اللبناني فرصة لتحقيق أهداف لم يتمكن من فرضها عسكرياً.

إن التحذير من الدعوات إلى ترحيل الشيعة، كما الإصرار على تحويل قضية شاحنة المتفجرات إلى مواجهة سياسية وأمنية داخلية، يكشفان أن المسألة لم تعد خلافاً تقليدياً بين قوى لبنانية.

إنها مواجهة على شكل البلد ومستقبله، وعلى ما إذا كان لبنان سيبقى وطناً لجميع أبنائه، أم سيتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الداخلية وتنفيذ إملاءات الخارج.

وفي بلد يواجه احتلالاً وعدواناً مفتوحاً، فإن فتح جبهة داخلية لن يكون انتصاراً للدولة، بل هدية مجانية لإسرائيل ومغامرة قد يدفع اللبنانيون جميعاً ثمنها.

https://anbaaexpress.ma/x4zx4

داني م. الأمين

صحفي لبناني ومستشار علاقات عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى